تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
وأثنائها أن للناس يوما يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله :
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ
قال الحرالي : من الجمع ، وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا - انتهى .
النَّاسِ
أي كلهم
لِيَوْمٍ
أي يدانون فيه
لا رَيْبَ فِيهِ
ثم عللوا نفي الريب بقولهم - عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام للجلال - :
إِنَّ اللَّهَ
أي المحيط بصفات الكمال
لا يُخْلِفُ
ولما كان نفي الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال :
الْمِيعادَ *
وقال الحرالي : هو مفعال من الوعد ، وصيغ لمعنى تكرره ودوامه ، والوعد العهد في الخير - انتهى . وكل ذلك تنبيها على أنه يجب التثبت في فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفا من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ويقفون بين يديه ، فكأنه تعالى يقول للنصارى : هب أنه أشكل عليكم بعض أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق بجلالي من التناقض وغيره ، ووكلتم أمر ذلك إليّ ، وعولتم في فتح مغلقه عليّ خوفا من يوم الدين ؟ قال ابن الزبير : ثم لما بلغ الكلام إلى هنا - أي إلى آية التصوير - كان كأنه قد قيل : فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب ؟ فأخبر تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه ، وكذا غيره من الكتب - واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم ، وحال أهل الزيغ اتباع المتشابه والتعلق به ، وهذا بيان لقوله :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب ، وفي أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول مع هذا البيان ووضوح الأمر : لا طريق إلى تنكب الصراط ، فنبهوا حين علموا الدعاء من قوله :
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 4 ] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا ، ففيه معظم البيان ، ومن اعتقاد الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
[ الصافات : 96 ] فمن التنبيه
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
[ البقرة : 6 ] ومنه :
يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً
[ البقرة : 26 ] ومنه :
آمَنَ الرَّسُولُ
[ البقرة : 285 ] - إلى خاتمتها ، هذا من جلي التنبيه ومحكمه ، ومما يرجع إليه ويجوز معناه بعد اعتباره :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
[ البقرة : 163 ] وقوله :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ
[ البقرة : 255 ] ، فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال بإلهية غيره ، ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ
[ آل عمران : 4 ] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها - انتهى .