إلى أن لهم عليهن درجة ، فهم أقوى وأظهر وأطيب وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار .
ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيرا إلى أنه جدير بذلك منهم لكونه ربهم ، عطف على ذلك الأمر أمرا آخر مشيرا إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال :
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أي عموما لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصا لما له إليكم من الإحسان والتربية ، واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها سببا لتربيتكم .
ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال : الذين
تَسائَلُونَ
أي يسأل بعضكم بعضا
بِهِ
فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف ، ثم زاد المقصود إيضاحا فقال :
وَالْأَرْحامَ
أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون بها ، فإنكم تقولون : ناشدتك باللّه والرحم ! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب بطشه ، لأنه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة . فقال مؤكدا لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين اللّه سبحانه :
إِنَّ اللَّهَ
أي المحيط علما وقدرة
كانَ عَلَيْكُمْ
وفي أداة الاستعلاء ضرب من التهديد
رَقِيباً *
وخفض حمزة « الأرحام » المقسم بها تعظيما لها وتأكيدا للتنبيه على أنهم قد نسوا اللّه في الوفاء بحقوقها - كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما ، والقراءتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من اللّه بمكان عظيم ، حيث قرنها باسمه سواء كان عطفا كما شرحته آية
وَقَضى رَبُّكَ
أن لا
تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
[ الإسراء : 23 ] ، وغيرها - أو كان قسما ، واتفق المسلمون على أن صلة الرحم واجبة ، وأحقهم بالصلة الولد ، وأول صلته أن يختار له الموضع الحلال .
ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير آية ، وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام ، ثم ذكر في قوله تعالى :
كُلُّ
نفسه
ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ آل عمران : 185 ] ، أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده ؛ علم أنه لا بد من وجود الأيتام في كل وقت ، فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد الأرحام أولى من يتقى اللّه فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال :
وَآتُوا الْيَتامى
أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم ، وأصل اليتم الانفراد
أَمْوالَهُمْ
أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إياها بعد البلوغ - كما يأتي ، أو يكون الإيتاء حقيقة واليتم باعتبار ما كان . أو باعتبار الاسم اللغوي وهو مطلق الانفراد ، وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى اللّه