[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 199 إلى 200 ]
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 199 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 )
ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظّ من الهجرة ، فكانوا قسما ثانيا من المهاجرين ، وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون المؤمنين مع محبتهم لهم ، وأنهم لا يؤمنون بكتابهم ، وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيرا إلى أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا - ربما أيأس من إيمانهم ؛ أتبع ذلك مدح مؤمنيهم ، وغير الأسلوب عن أن أيقال مثلا : والذين آمنوا من أهل الكتاب - إطماعا في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على مناواتهم وملاواتهم فقال :
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ
أي اليهود والنصارى
لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ
أي الذي حاز صفات الكمال ، وأشار إلى الشرط المصحح لهذا الإيمان بقوله :
وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ
أي من هذا القرآن
وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
أي كله ، فيذعن لما يأمر منه باتباع هذا النبي العربي ، وإليه الإشارة بقوله جامعا للنظر إلى معنى من تعظيما لوصف الخشوع بالنسبة إلى مطلق الإيمان :
خاشِعِينَ لِلَّهِ
أي لأنه الملك الذي لا كفوء له ، غير مستنكفين عن نزل المألوف
لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ
أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال ، الآمرة لهم بذلك
ثَمَناً قَلِيلًا
بما هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريبا في وصف معظمهم ، فهم يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها .
ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال :
أُولئِكَ
أي العظيمو الرتبة
لَهُمْ أَجْرُهُمْ
أي الذي يؤملونه ، ثم زادهم فيه رغبة تشريفه بقوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم ، كل ذلك تعظيما له من حيث إن لهم الأجر مرتين .
ولما اقتضت هذه التأكيدات المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه ، وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل أحد من ذكر وأنثى أجره ، ولا يضيع شيئا ، ويجازي المسئ والمحسن ، وكانت العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب ، وذلك سبب لطول الانتظار ، وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي ، فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى