تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وخللا بينا نزهوه عنه فقالوا :
سُبْحانَكَ
وفي ذلك تعليم العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله ، وتنبيه على أن العبد كلما غزرت معرفته زاد خوفه فزاد تضرعه ، فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره ، ولولا أن ذلك كذلك لكان الدعاء بدفعه عبثا ، وما أحسن ختمها حين تسبب عما مضى تيقنهم أن أمامنا دارا يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده ، فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع ، كما هو دأب كل ملك في رعيته بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار :
فَقِنا عَذابَ النَّارِ *
على وجه جمع بين ذكر العذاب المختتم به آية محبّي المحمدة بالباطل ، والنار المحذر منها في
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ .
[ آل عمران : 185 ] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا دفعه من العذاب ليكون موضع السؤال أعظم ، فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه أتم ، مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطارا للإجابة :
رَبَّنا
وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاما بأن حالهم في تقصيرهم حال من أمن النار حثا لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا :
إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ
أي للعذاب
فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
أي أذللته وأهنته إهانة عظيمة بكونه ظالما . وختمها بقوله :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ *
الحاسم لطمع من يظن منهم أنه بمفازة من العذاب ، وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم بالوصف والتعميم . ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم
رَبَّنا
ولما كانت حالهم - لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد ، لأنه لا يستطيع أحد أن يقدر اللّه حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن ؛ اقتضى المقام التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع علمهم بأن المخاطب عالم بكل شيء :
إِنَّنا
فأظهروا النون إبلاغا في التأكيد
سَمِعْنا مُنادِياً
أي من قبلك ، وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء مقيدا بعد الإطلاق بقوله :
يُنادِي
قال محمد بن كعب القرظي : « 1 » هو القرآن ، ليس كلهم رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ولما كانت اللام تصلح للتعليل ومعنى « إلى » عبر بها فقيل :
لِلْإِيمانِ
ثم فسروه تفخيما له بقولهم :
أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم :
فَآمَنَّا
أي عقب السماع . ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحا بما أفهمه التأكيد لمن علمه محيط :
رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
أي التي أسلفناها قبل
هامش
( 1 ) هو الإمام العالم المفسر محمد بن كعب القرظي المدني ثقة نزل الكوفة وتوفي سنة 120 وقيل قبل ذلك روى له الأئمة الستة .