ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلا تسبب عنه الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة ، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن وغيره ، أو فعل فعلا وقال قولا يؤدي إلى ذلك كالمنافقين وكالمقبلين على الغنيمة فقال تعالى :
أَ فَمَنِ اتَّبَعَ
أي طلب بجد واجتهاد
رِضْوانَ اللَّهِ
أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق ، فصار إلى الجنة ونعم الصبر
كَمَنْ باءَ
أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح ، أو حل وأقام
بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ
أي الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار لولا العفو
وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ
أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *
أي هي .
ولما أفهم الإنكار على من سوّى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله :
هُمْ دَرَجاتٌ
أي متباينون تباين الدرجات . ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال :
عِنْدَ اللَّهِ
أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم ، لأن اللّه سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم
وَاللَّهُ
أي الذي له جميع صفات الكمال
بَصِيرٌ
أي بالبصر والعلم
بِما يَعْمَلُونَ *
أي بعد إيجادهم ، لأن ذلك أيضا خلقه وتقديره ، وليس لهم فيه إلا نسبته إليهم بالكسب ، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال ، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل ! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية .
ولما أرشدهم إلى هذه المراشد ، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد ، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلّى اللّه عليه وسلّم بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم ، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم ، فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هديه فقال سبحانه وتعالى - مؤكدا لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول - :
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ
أي ذو الجلال والإكرام
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ
أي فيما بينهم أو بسببهم
رَسُولًا
وزادهم رغبة فيه بقوله :
مِنْ أَنْفُسِهِمْ
أي نوعا وصنفا ، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ
أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيرا من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه ، وما لم نعرفه أكثر
وَيُزَكِّيهِمْ
أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار