مؤمنين ، عطف عليه قوله :
بَلِ اللَّهُ
أي الملك الأعظم
مَوْلاكُمْ
مخبرا بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد سواه بقوله :
وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ *
أي لأن من نصره سبب له جميع أسباب النصر وأزال عنه كل أسباب الخذلان ، فمنع غيره - كائنا من كان - من إذلاله ، ثم قرر ذلك بقوله محققا للوعد :
سَنُلْقِي
أي بعظمتنا
فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ
أي المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم ، كما افتتح القصة بالإيماء إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين ، ثم بين سبب ذلك فقال :
بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ
أي ليعلموا قطعا أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له ، وبين بقوله :
ما لَمْ يُنَزِّلْ
أي في وقت من الأوقات
بِهِ سُلْطاناً
أنه لا حجة لهم في الإشراك ، وما لم ينزل به سلطانا فلا سلطان له ، ومادة سلط ترجع إلى القوة ، ولما كان التقدير : فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قوة به ، عطف عليه :
وَمَأْواهُمُ النَّارُ
ثم هوّل أمرها بقوله :
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ *
أي هي ، وأظهر في موضع الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف .
ولما كانت السين في
سَنُلْقِي
مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى ، فنفى هذا الوهم محققا لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفا على قوله :
بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا
[ آل عمران : 125 ] ، مصرحا بما لوح إليه تقديرا قبل
وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ
[ آل عمران : 123 ] كما مضى - :
وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ
أي في قوله
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ
[ آل عمران : 120 ]
إِذْ تَحُسُّونَهُمْ
أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين بالقوة التي هيأها لكم
بِإِذْنِهِ
فإن الحس بالفتح : القتل والاستئصال - قاله في القاموس . ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعا لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبينا لغاية الحس :
حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ
أي ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي ، فكيف بهم إذا كانوا من حزب مولى الموالي ! فلو كانت العرب على حال جاهليتها تتفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر :
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
إذ لا أزال على رحالة سابح * نهد تعاوره الكماة مكلم
طورا يعرض للطعان وتارة * يأوي إلى حصد القسي عرمرم
يخبرك من شهد الوقيعة أنني * أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم