ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم أخبر أنها لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلابا لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال :
وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا
أي باشروا عن علم أو جهل فعله
فاحِشَةً
أي من السيئات الكبار
أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
أي بأي نوع كان من الذنوب ، لتصير الفاحشة موعودا بغفرانها بالخصوص وبالعموم
ذَكَرُوا اللَّهَ
أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه
فَاسْتَغْفَرُوا
اللّه ، أي فطلبوا منه المغفرة بالتوبة بشرطها
لِذُنُوبِهِمْ
أي فإنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب .
ولما كان هذا مفهما لأنه تعالى يغفر كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره ، لأن المخلوق لا يمضي غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع اللّه غفرانه ، فكان لا غافر في الحقيقة إلا اللّه قال مرغبا في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين :
وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها
إِلَّا اللَّهُ
أي الملك الأعلى . ولما كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال :
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *
أي إنهم على ذنب .
ولما أتم وصف السابقين وهم المتقون واللاحقين وهم التائبون قال - معلما بجزائهم الذي سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيرا إليهم بأداة البعد تعظيما لشأنهم على وجه معلم بأن أحدا لا يقدر اللّه حق قدره - :
أُولئِكَ
أي العالو الرتبة
جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ
أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم ، وعظمها بقوله :
مِنْ رَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم بكل إحسان ، وأتبع ذلك للإكرام فقال :
وَجَنَّاتٌ
أيّ جنات ، ثم بين عظمها بقوله :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
حال كونكم
خالِدِينَ فِيها
هي أجرهم على عملهم
وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ *
هي ، هذا على تقدير أن تكون الإشارة لجميع الموصوفين ، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم .
ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل ، والترهيب مما يوقع فيه ، والترغيب فيما ينجي منه في تلك الأساليب التي هي أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد لذوي الفساد ، فبدأ بالسبب الأقوى ، وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقا وأقوى همما وأكثر عددا وأحكم عددا ، فقال تعالى معللا للأمر بالمسارعة إلى المغفرة :
قَدْ خَلَتْ
ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم ، وكان الذين وقعت فيهم السنن جميع أهل الأرض ، ولا في جميع الزمان ، أثبت الجار فقال :
مِنْ قَبْلِكُمْ
أي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم