هذه الشريعة العظيمة أصلا ورأسا ، فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسّلام مع انسلاخهم من معظم شرائعه ! ثم فسر الهدى بقوله :
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ
وقوله :
مَقامُ إِبْراهِيمَ *
أي أثر قدمه عليه الصلاة والسّلام في الحجر حيث قام لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلا أو عطف بيان من الموصول الذي هو خبر
إِنَّ
في قوله :
لَلَّذِي بِبَكَّةَ
فكأنه قيل : إن أول بيت وضع للناس لمقام إبراهيم ، وأعربه غيره بدل بعض من قوله
آياتٌ
وهو وحده آيات لعظمه ولتعدد ما فيه من تأثير القدم ، وحفظه إلى هذا الزمان مع كونه منقولا ، وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسّلام .
ولما كان أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى :
وَمَنْ دَخَلَهُ
أي فضلا عن أهله
كانَ آمِناً
أي عريقا في الأمن ، أو فأمنوه بأمان اللّه ، وتحويل العبارة عن « وأمن داخله » لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن ، وفيه بشارة بدخول الجنة .
ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتانا أنه على دينهم ، وكانت المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى :
وَلِلَّهِ
أي الملك الذي له الأمر كله
عَلَى النَّاسِ
أي عامة ، فأظهر في موضع الإضمار دلالة على الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي في
اسْتَطْعَما أَهْلَها
[ الكهف : 77 ] في الكهف ، وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم
حِجُّ الْبَيْتِ
أي زيارته زيارة عظيمة ، وأظهر أيضا تنصيصا عليه وتنويها بذكره تفخيما لقدره ، وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة ، وعادة العرب زيارة معاهد الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم ، وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم الحج ، ثم من بالتخفيف بقوله مبدلا من الناس ، تأكيدا بالإيضاح بعد الإبهام وحملا على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة :
مَنِ اسْتَطاعَ
أي منهم
إِلَيْهِ سَبِيلًا
فمن حجه كان مؤمنا .
ولما كان من الواضح أن التقدير : ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفا بالوجوب ، وبالمروق من الدين إن جحد ، عطف عليه قوله :
وَمَنْ كَفَرَ
أي بالنعمة أو بالدين
فَإِنَّ اللَّهَ
أي الملك الأعلى
غَنِيٌّ
ولما كان غناه مطلقا دل
هامش
- سنان . وبنحوه أخرجه أحمد 1 / 215 و 216 وأبو يعلى 2542 من حديث ابن عباس وإسناد حسن . تنبيه : وأما ذكر من حج معه من بني إسرائيل فلم أره عند أحد .