تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 520

مساهمون:

ص٥٢٠
النخلة بل يتفرع علوا وسفلا ويمنة ويسرة ، مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل جهة - قاله الحرالي . ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال :
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أي لكرم أرضها . وقال الحرالي : وفي إشعاره تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على المالك منها في البعل لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى . ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال :
لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي مع النخل والعنب . ولما ذكر كرمها ذكر شدة الحاجة إليها فقال :
وَأَصابَهُ
أي والحال أنه أصابه
الْكِبَرُ
فصار لا يقدر على اكتساب
وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ
بالصغر كما ضعف هو بالكبر
فَأَصابَها
أي الجنة مرة من المرات
إِعْصارٌ
أي ريح شديدة جدا . قال الحرالي : صيغة اشتداد بزيادة الهمزة والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء ، والإعصار ريح شديدة في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير ، وهو أحد قسمي النار ، نظيره من السعير السموم . وقال الأصفهاني : ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود
فِيهِ نارٌ ، فَاحْتَرَقَتْ
تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال . قال الحرالي : من الاحتراق وهو ذهاب روح الشيء وصورته ذهابا وحيا بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه ؛ فجعل المثل الأول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته . وجعل المثل في الجنة بجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من جهة أصل أو فرع - انتهى . فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم القيامة وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة آماله ، وروى البخاري رضي اللّه تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي اللّه تعالى عنه لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « فيم ترون هذه الآية نزلت
أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ
إلى أن قال : قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه : ضربت مثلا لعمل ، قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : أيّ عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل ، قال عمر رضي اللّه تعالى عنه : لرجل غني يعمل بطاعة اللّه سبحانه وتعالى ثم بعث اللّه له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله » « 1 » . ولما بين لهم هذا البيان الذي أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه لتبجيله
هامش
( 1 ) موقوف صحيح . أخرجه البخاري 4538 عن عبيد بن عمير قال : « قال عمر رضي اللّه عنه يوما . . . » فذكره .