تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 508

مساهمون:

ص٥٠٨
دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله استبعادا لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه
أَنَّ اللَّهَ
أي لما أعلم من عظمته
عَلى كُلِّ شَيْءٍ
أي من هذا وغيره
قَدِيرٌ *
قال الحرالي : في إشعاره إلزام البصائر شهود قدرة اللّه سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية التي تتقيد بها الأبصار إلحاقا لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي في العلم أن محييك هو مصرفك ، فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته فلاءم تفصيل افراد القدرة للّه بما تقدم من إبداء الحفظ باللّه والعظمة للّه ، فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر اللّه سبحانه وتعالى بكلية ما أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى . وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه بأن الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية عمن استحق القتل . ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمى في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولا بالرد على الكافر ما يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة الخليل صلوات اللّه وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة ، وقد قرر سبحانه وتعالى أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن تقرير ، فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر ، فكرر سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا وتارة في الآخرة في مثل قوله
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
[ البقرة : 4 ]
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ
[ البقرة : 28 ]
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
[ البقرة : 56 ]
كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
[ البقرة : 73 ]
فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ
[ البقرة : 243 ] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب المرادة غالبا بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به ، فصار لها استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسّلام والتحية والإكرام ، فكان كأنه قيل : يا منكري البعث ومظهري العجب منه ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب ! اسمعوا قصة أبيكم إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم التي لقاكم بها الاستدلال على البعث وجمع المتفرق وإعادة الروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة اللّه لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل عين اليقين فقال تعالى :
وَإِذْ
عطفا على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ . وقال الحرالي : ولما
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 508 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي