تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 502

مساهمون:

ص٥٠٢
بين ولايته بقوله :
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ
أي المعنوية جمع ظلمة وهو ما يطمس الباديات حسا أو معنى ، وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن الكفر أنواع
إِلَى النُّورِ
أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى - قاله الحرالي ، ووحده لأن الصراط المستقيم واحد
وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها ، فصار البصر عريا عن الاعتبار ، والسمع خاليا عن الفهم والاستبصار ، والقلب معرضا عن التدبر والافتكار ، وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار ، والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم ، والظلمة الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف . ولما ذكر عبّاده الخلص ذكر عبّاد الشهوات فقال :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أي ستروا ما دلت عليه أدلة العقول أولا والنقول ثانيا بشهوات النفوس
أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
من شهواتهم وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ذلك ، ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله :
يُخْرِجُونَهُمْ
وإسناده إلى ضمير الجمع يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر
مِنَ النُّورِ
أي الفطري
إِلَى الظُّلُماتِ
قال الحرالي : وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية « كل مولود يولد على الفطرة » « 1 » انتهى . ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشئ عن عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال :
أُولئِكَ
أي الحالون في محل البعد والبغض
أَصْحابُ النَّارِ
قال الحرالي : الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى . ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح به تأكيدا بقوله مبينا اختصاصهم بها :
يُخْرِجُهُمْ
أي خاصة
فِيها خالِدُونَ *
إلى ما لا آخر له . قال الحرالي : وجعل الخلود وصفا لهم إشعارا بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى .
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 1358 ، 1359 ، 6599 ، 4775 ومسلم 2658 وأبو داود 4705 ، 4706 والترمذي 3150 وابن حبان 128 ، 129 ، 130 وعبد الرزاق 20087 والطحاوي 2 / 162 وأحمد 2 / 282 ، 253 ، 481 ، 393 كلهم من حديث أبي هريرة . بأتم منه . وورد من حديث الأسود بن سريع أخرجه البخاري في التاريخ الكبير 1 / 445 والدارمي 2 / 223 وكذا النسائي في الكبرى 8616 والحاكم 2 / 123 وابن حبان 132 والطبراني 826 ، 828 و 829 ، 830 وعبد الرزاق 20090 وابن أبي شيبة 12 / 386 والطحاوي في المشكل 2 / 163 والبيهقي 9 / 77 ، 78 ، 130 وأحمد 3 / 435 ، 4 / 24 وصدره : « أوليس خياركم أولاد المشركين ، ما من مولود إلا على . . . »