والكرسي في العرش والعرش في الهواء - انتهى . فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة التي لا يثقلها شيء ولذا قال :
وَلا يَؤُدُهُ
أي يثقله . قال الحرالي : من الأود أي بلوغ المجهود ذودا ، ويقابله ياء من لفظ لا يد أي وهو القوة ، وأصل معناه واللّه سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره اللغويون بلفظة يثقله
حِفْظُهُما
في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيرا ولقدر غيره ولو يوما ما على غير ما يريده . والحفظ قال الحرالي : الرعاية لما هو متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى . ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرا فيما تقدم عطف عليه قوله :
وَهُوَ
أي مع ذلك كله المتفرد بأنه
الْعَلِيُّ
أي الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته
الْعَظِيمُ *
كما أنبأ عن ذلك افتتاح الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علوا وعظمة تتقاصر عنهما الأفهام لما غلب عليها من الأوهام ، ونظم الاسمين هكذا دال على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول ، وقد ختمت الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم
اللَّهُ
إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة بغير حجاب ، كذلك تنزل القرآن ، مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق الوحي والكون تطابق قائم ومقام
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى
[ الروم : 27 ] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير خلقه ، قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم « الكبرياء ردائي » لأن الرداء هو ما على الظاهر « والعظمة إزاري » « 1 » والإزار ما ستر الباطن والأسفل ، فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته ، وفي العرش علوه وفي الكرسي عظمته ، فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل ، وكبرياؤه وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام ، فتبين بهذا المعنى علو رتبة هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران ، ولما ألاحته للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري في الأدب المفرد 552 ومسلم 2620 وأبو داود 4090 وابن ماجة 4174 والطيالسي 2387 وابن أبي شيبة 9 / 89 وابن حبان 328 والبغوي في شرح السّنة 3592 والحميدي 1149 وأحمد 2 / 376 كلهم من حديث أبي هريرة زاد مسلم والبخاري : وأبي سعيد . ولفظ أبي داود بزيادة « فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار » وعجزه عند البخاري « عذبته » .