هو أشد وهو الفخر بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه اللّه عليهم فكان فيه حظ من فخر إبليس حيث قال حين أمر بالسجود لآدم :
أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
[ ص : 76 ] انتهى .
وَلَمْ
أي والحال أنه لم
يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ
أي فصار له مانعان : أحدهما أنه ليس من بيت المملكة ، والثاني أنه مملق والملك لا بد له من مال يعتضد به . قال الحرالي : فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء اللّه فكان في هذه الفتنة الثالثة جهل وشرك ، فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - انتهى .
ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل بعضهم على بعض من اللّه فكان هو المدار علق الأمر به في قوله :
قالَ
أي النبي لا غيره مؤكدا لأجل إنكارهم معظما عليهم الحق بإعادة الاسم الأعظم
إِنَّ اللَّهَ
أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح
اصْطَفاهُ
قال الحرالي : والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى . ولما كان ذلك مضمنا معنى ملكه قال في تعديته
عَلَيْكُمْ
ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما اقتضى ذلك فقال :
وَزادَهُ
أي عليكم
بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ
الذي به تحصل المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر ، وهو يدل على اشتراط العلم في الملك ، وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها ، وأن الملك ليس بالإرث
وَالْجِسْمِ
الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران .
ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى غيره قال :
وَاللَّهُ
أي اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره
يُؤْتِي مُلْكَهُ
أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء
مَنْ يَشاءُ
كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون
وَاللَّهُ
الذي له الإحاطة الكاملة فلا يجوز الاعتراض عليه
واسِعٌ
أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه
عَلِيمٌ *
أي بالغ العلم ، فما اختاره فهو المختار وليس لأحد معه خيرة فهو يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 248 إلى 252 ]
وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 248 ) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 ) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 252 )