رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أشيروا عليّ أيها الناس ! فقال سعد بن معاذ الأنصاري رضي اللّه تعالى عنه : واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه ؟ قال : أجل ، قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول اللّه لما أردت فنحن معك . فوالذي بعثك بالحق ! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ! ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ! إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء ، لعل اللّه يريك منا ما تقرّ به عينك ، فسر بنا على بركة اللّه تعالى » « 1 » .
ولما أخبرهم سبحانه وتعالى بإيجاب القتال عليهم مرسلا في جميع الأوقات وكان قد أمرهم فيما مضى بقتلهم حيث ثقفوهم ثم قيد عليهم في القتال في المسجد الحرام كان بحيث يسأل هنا : هل الأمر في الحرم والحرام كما مضى أم لا ؟ وكان المشركون قد نسبوهم في سرية عبد اللّه بن جحش التي قتلوا فيها من المشركين عمرو بن الحضرمي إلى التعدي بالقتال في الشهر الحرام واشتد تعييرهم لهم به فكان موضع السؤال : هل سألوا عما عيرهم به الكفار من ذلك ؟ فقال مخبرا عن سؤالهم مبنيا لحالهم :
يَسْئَلُونَكَ
أي أهل الإسلام لا سيما أهل سرية عبد اللّه بن جحش رضي اللّه تعالى عنهم
عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
فلم يعين الشهر وهو رجب ليكون أعم ، وسميت الحرم لتعظيم حرمتها حتى حرموا القتال فيها ، فأبهم المراد من السؤال ليكون للنفس إليه التفات ثم بينه ببدل الاشتمال في قوله :
قِتالٍ فِيهِ
ثم أمر بالجواب في قوله :
قُلْ قِتالٌ فِيهِ
أيّ قتال كان فالمسوغ العموم .
ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدوانا فيه أكبر منه في غيره قال :
كَبِيرٌ
أي في الجملة .
ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في تسهيل سبيل اللّه فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم يشكل أن ما بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله :
وَصَدٌّ
أيّ صد كان
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى رضوانه ، أو البيت الحرام فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سمى الحج سبيل اللّه . قال الحرالي : والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره ، والسبيل طريق الجادة السابلة عليه الظاهر لكل سالك منهجه
وَكُفْرٌ بِهِ
أيّ كفر كان ، أي بالدين ، أو بذلك الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم ، وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة بينة لمن أمعن النظر
هامش
( 1 ) هذا الخبر ذكره ابن هشام في سيرته 2 / 187 - 188 في غزوة بدر . باب : استشارة الأنصار .