تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
الجمعة « 1 » ، ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى وكانت الخمسة أقرب وترا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسا لذلك ، ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصا بأعظم دعائمه الصلوات الخمس - واللّه سبحانه وتعالى الموفق . ولما كانت الهداية تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال :
عَلى
أي حامدين له على
ما هَداكُمْ
أي يسر لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها ، ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من المسلمين يخل به إلا نادرا - واللّه سبحانه وتعالى الموفق . وقال الحرالي : إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده اللّه من بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة أو بآية بادية لأهل المراقبة كلّا على حكم وجده من استغراق تماسكه وخلوته واستغراق ذكره في صومه ، فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه وتفنى ذاته في حق ربه ، كما يقول : « يدع طعامه وشرابه من أجلي » « 2 » فكل عمل فعل وثبت إلّا الصوم فإنه محو وفقد ، فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى .
هامش
( 1 ) يشير المصنف لما أخرجه مسلم 2789 وأحمد 2 / 327 والبيهقي 9 / 3 والديلمي 2927 كلهم من حديث أبي هريرة قال : « أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيدي فقال : خلق اللّه عز وجل التربة يوم السبت ، وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبثّ فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم عليه السّلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل » ا ه هذا لفظ مسلم . قال ابن كثير في تفسيره 1 / 72 عند الآية 29 البقرة : هذا حديث من غرائب صحيح مسلم وقد تكلم عليه علي المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب الأحبار ، وإنما اشتبه على بعض الرواة ، فجعلوه مرفوعا ، وقد حرر ذلك البيهقي ا ه . قلت : لأن ظاهره يخالف صريح الآيات الناطقة بأن اللّه عز وجل خلق السماوات ، والأرض ، وما بينهما في ستة أيام . واللّه تعالى أعلم . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 1894 و 1904 و 5927 و 7492 و 7538 ومسلم 1151 ومالك 1 / 310 والطيالسي 2485 وأحمد 2 / 466 . 503 والنسائي 4 / 164 وعبد الرزاق 7893 وابن أبي شيبة 3 / 5 وابن خزيمة 1797 و 1900 وابن حبان 3424 والبيهقي 4 / 304 والبغوي 1710 و 1712 من طرحه كلهم من حديث أبي هريرة : « والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اللّه من ريح المسك إنما يذر شهوته ، وطعامه ، وشرابه من أجلي ، فالصيام لي ، وأنا أجزي به كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام ، فهو لي ، وأنا أجزي به » . هذا لفظ مالك ، والبخاري في رواية .