اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً
[ النساء : 36 ] طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئا أي شيء كان آخر ، وهو أول ما أقام اللّه من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة ، وبدئت بالوضوء عملا من حذو تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملا من حذو طهور القلب بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى ، فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة وجه عمل حرف الأمر ، وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ملازمة خدمة الأبدان . فكان أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا ، من أحب ملكا خدمه ولازمه ، ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم بالجهد والتذلل ، فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه ، لأنها لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحب كما لا يظهر بعد فرضها إلا في النوافل ، ولإجهاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه وبدنه في ذلك أنزل عليه
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى * الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 2 - 5 ] - إلى قوله
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى *
[ طه : 8 ] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل إسلام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين « 1 » ، فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف ، وسن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التطوع على ما كان أصلها « 2 » ، وذلك صبيحة ليلة الإسراء ، وأول منزل هذا الحرف واللّه سبحانه وتعالى أعلم في فرض هذا الركن أو من أول منزله قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ
[ الإسراء : 78 ] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم بها أوقات الفتنة ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها . الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس للّه سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها نهارا للمقتصر ودواما للمعتكف ، وهو صلة بين العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته ، وأول ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ البقرة : 183 ] وإنما فرض واللّه سبحانه وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم لما آمنوا من عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة خاصة في الأنفس بالتبسط
هامش
( 1 ) راجع قصة إسلام عمر في سيرة ابن هشام 1 / 332 . 338 ذكرها مفصلة وقصته مع أخته معروفة .
( 2 ) حيث كانت في الأصل خمسين صلاة .