Skip to main content

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — Page 307

Contributors:

P.307
مخلوقا من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل شيء إلا ما استثنى منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من متسع رغد الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران على علم قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعا وتحسن مغبّته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه للمنعم من غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان واللّه سبحانه وتعالى أعلم
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
لكم
مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
[ النحل : 10 ] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
[ يس : 23 ] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه ، ومن متسع خلال هذا الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ
[ آل عمران : 14 ] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب الآخرة
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
[ الأحقاف : 20 ] « إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة » « 1 »
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ
[ التوبة : 69 ] ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين ، ومن رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه ونعيمه في بيع خلاق الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين ؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد ، وانكفؤوا بالورع عن الكد ، وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد ، وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه ، فمن رغب في الحلال شقي ومن رغب عنه سعد ؛ وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ فيما زاد على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه ، وما زاد عليه متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه ؛ ولذلك لم يأذن اللّه سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان
يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً
[ البقرة : 168 ] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين لا يثبتون ولا يدومون على خير أحوالهم بل يخلطون وذلك في قوله تعالى
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
[ البقرة : 172 ] وهو ما طيبه
Footnote
( 1 ) صحيح . هو بعض حديث أخرجه البخاري 948 ، 2104 و 3054 و 6081 ومسلم 2068 وأبو داود 4041 والنسائي 8 / 201 والطيالسي 1937 والبيهقي 3 / 280 وابن حبان 5113 وأحمد 2 / 51 ، 68 ، 82 كلهم من حديث ابن عمر .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — Page 307 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي