والداعي يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال : « حتى رأينا عفرة إبطيه » « 1 » - انتهى ملخصا .
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ
أي فتسبب عن تلك الرؤية أنا نوليك من غير شك
قِبْلَةً
قال الحرالي : نكّرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله ، فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه اللّه لا توجه لمنظر باد من خلق اللّه ، فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية ؛ وفي قوله :
تَرْضاها
إنباء بإقراره للتوجه لهذه القبلة ، لأن الرضى وصف المقر لما يريد ، فكل واقع بإرادة لا يكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار ، فإن تعقبه الرفع والتغيير فهو مراد غير مرضي - انتهى . ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء السبب في قوله :
فَوَلِّ وَجْهَكَ ،
وأما قلبك فإنما توجهه إلى اللّه ، الغيب للغيب والظاهر للظاهر ،
شَطْرَ
أي عين
الْمَسْجِدِ
كما استدل الشافعي رحمه اللّه في الرسالة على ذلك بجملة من أشعار العرب وقال : وهذا كله من أشعارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين الشيء ، إذا كان معاينا فبالصواب وإن كان مغيبا فبالاجتهاد
الْحَرامِ
وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة . قال الحرالي : سماه اللّه حراما لحرمته حيث لم يوطأ قط إلا بإذنه ولم يدخل إلا دخول تعبد وذلة فكان حراما على من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى . وعن الإمام الماوردي « 2 » أن كل موضع ذكر اللّه فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - انتهى . وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها السجود ، وسيأتي عند
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ
[ البقرة : 217 ] زيادة على هذا ، وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال : « صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا
هامش
- 739 والطيالسي 2019 وأحمد 3 / 140 كلهم من حديث أنس .
ولفظه : « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم . فاشتد قوله في ذلك - حتى قال : لينتهن عن ذلك ، أو لتخطفنّ أبصارهم » . وورد من حديث جابر بن سمرة أخرجه مسلم 428 .
وأبو داود 912 وابن ماجة 1045 والدارمي 5 / 108 وأبو يعلى 7473 والطبراني في الكبير 2 / ( 201 ) ( 202 ) وأحمد 5 / 101 ، 108 وعجز الحديث : « لينتهن رجال يشخصون بأبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم » .
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 1031 ، 3565 ومسلم 895 ، 896 وأبو داود 1170 والنسائي 3 / 249 ، 158 وابن ماجة 118 والدارمي 1 / 361 والطيالسي 1256 والدارقطني 2 / 68 والبيهقي 3 / 356 والبغوي 1163 وأبو يعلى 2935 وأحمد 3 / 216 ، 181 كلهم من حديث أنس بن مالك .
ولفظ البخاري ومسلم : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه » .
( 2 ) هو الإمام المفسر أبو الحسن علي بن حبيب الشافعي صاحب تفسير الماوردي توفي سنة : 450 .