تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
الجهد إلا إلى من ثبت صدقه بثبوت رسالته ، وثبتت رسالته بظهور معجزته ، فوجب عليكم قبول أمره ، وذلك ينتج قطعا أنه يجب عليكم قبول هذا الداعي بهذا القرآن لمثل ذلك سواء ، وإلا كان قبول بعض من ثبت له هذا الوصف دون البعض تحكما واتباعا للهوى المذموم في كل شرعة المنعي عليكم بقوله تعالى :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ
[ البقرة : 87 ] هذا مع أن رد قولكم هذا فيهم أظهر ظاهر من حيث إنه لا يعقل أن يكون السابق على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمدد متطاولة ، وسيأتي النص الصريح بإبطال ذلك في آل عمران إن شاء اللّه تعالى والإشارة إلى منابذته للعقل بقوله :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ آل عمران : 65 ] ليتطابق على إبطاله صادق النقل وحاكم العقل ، وإلى هذا كله الإشارة بقوله :
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ
أي من قبلكم بدهور ولا يقبل الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع ، ولا سبيل لكم إليه وقد قام القاطع على مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه بإعجازه بما تقدم وبما أشار إليه قوله تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ
أي من أعمالها
وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ
أي من أعمالكم ، فلا يسألون هم عن أعمالكم
وَلا تُسْئَلُونَ
أي أنتم
عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 142 إلى 144 ]

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 143 ) قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( 144 ) ولما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه فضولا لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان إبطال اللّه تعالى لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوما لأن يكونوا أباحوا أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم بالاعتراض على ربهم فقال وأصلا له بما قبله على وجه أعم .
سَيَقُولُ
إلى آخره ، لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن يكفوا عن عيبهم فكيف وهم عالمون بأنه
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 259 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي