ولما كان المسلم مضطرا إلى العلم قال :
وَأَرِنا مَناسِكَنا
وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج حيث كان متلقي عن اللّه بلا واسطة لكونه علما على آتي يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد . والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتدينا . تشارك حروفه حرف السكون - قاله الحرالي . ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء إلى التوفيق قال :
وَتُبْ عَلَيْنا
إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين باللّه المتصلين بالحسنات رجّعا بها إلى من له الخلق والأمر ، ثم علل طمعه في ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال :
إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
أي الرّجاع بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته ليعرفوا فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه وصفا هو كالتعليل له فقال :
الرَّحِيمُ .
ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم اللّه له المناسك بغير واسطة طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال :
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ
أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل
رَسُولًا مِنْهُمْ
ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره ، وذلك الرسول هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره ، فهو دعوة إبراهيم عليه السّلام أبي العرب وأكرم ذريته ؛ ففي ذلك أعظم ذم لهم بعدواته مع كونه مرسلا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه ، وإليه الإشارة بقوله :
يَتْلُوا
أي يقرأ متابعا مواصلا
عَلَيْهِمْ آياتِكَ
أي علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو استنبطت منه
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
الكامل الشامل لكل كتاب « أوتيت جوامع الكلم » « 1 »
وَالْحِكْمَةَ
وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك .
هامش
( 1 ) صحيح . يشير المصنف لحديث أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، فبينا أنا نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض ، فوضعت في يدي » .
قال أبو هريرة : وقد ذهب رسول اللّه ، وأنتم تنتثلونها قال ابن حجر في الفتح 6 / 128 : تنتثلونها أي تستخرجونها ، ونقول نثلت البئر إذا استخرجت ترابها ا ه .
الحديث أخرجه البخاري 2977 ، 7013 و 7273 ، 6998 ومسلم 523 والنسائي 6 / 3 ، 4 والبيهقي 7 / 48 وابن أبي شيبة 11 / 433 وأحمد 2 / 501 ، 502 والبغوي 3618 وابن حبان 6363 ، 6401 .
وورد في حديث أبي هريرة بلفظ « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : فضلت على الأنبياء بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون » أخرجه مسلم 523 والترمذي بإثر حديث 1553 والبيهقي 2 / 433 ، 9 / 5 والبغوي 3617 وابن حبان 2313 وأحمد 3 / 411 ، 412 .
ولفظ : « أوتيت جوامع الكلم » هو بعض حديث أخرجه أبو يعلى 6287 وأحمد 2 / 250 .