[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 64 إلى 73 ]
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 64 ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ( 66 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 )
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( 70 ) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 ) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 )
قوله :
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ
والتولي قال الأصفهاني : أصله الإعراض عن الشيء بالجسم ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى . وهو هنا الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي . وذلك لأن النفوس إذا توطنت على أمر اللّه فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ترجع عنه إلّا بمنازعة من الهوى شديدة .
ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد أدخل الجار فقال :
مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
أي التأكيد العظيم عن الوفاء به
فَلَوْ لا
أي فتسبب عن توليكم أنه لولا
فَضْلُ اللَّهِ
أي الذي له الجلال والإكرام مستعل
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
بالعفو والتوبة والإكرام بالهداية والنصر على الأعداء و
لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ *
بالعقوبة وتأبد الغضب ، وأيضا فلما كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل الصالح عقبت تلك بآية الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق ، وهو جميع ما آتاهم في التوراة إيمانا مصحوبا بالقوة ، ومما آتاهم صفة عيسى ومحمد عليهما السّلام والأمر باتباعهما ، فهو مما أخذ عليهم به العهد وقد كفروا به فلم يصح لهم إيمان ولا عمل ، لأن التفرقة بين ما أتى منه سبحانه زندقة .
ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ كان حاصلها أنهم لما ضيعوا