تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات الالهية الى المباحث الاصولية ( تفسير القرآن العظيم ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤

القول في سورة الأنعام

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
( 1 ) [ الأنعام : 1 ] اختلف في أيهما خلق أولا ؟ على قولين مشهورين ممكنين تضمنهما القرآن ، كما سيأتي في موضعه إن شاء اللّه - عزّ وجل .
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ
[ الأنعام : 1 ] فيه سؤالان : أحدهما [ لم قدّم ] الظلمات على النور ؟ وجوابه : أن الظلمة أمر عدمي ؛ إذ هي عدم الاستنارة عما من شأنه / [ 153 / ل ] أن يستنير ، والنور أمر وجودي ، والعدم قبل الوجود . الثاني : لم جمع الظلمات ووحد النور ؟ والجواب : أن النور أمر واحد حقيقي بسيط : والظلمات أعدام نشأت عن الأجرام المتعددة ، إذ الظلمة إنما تحدث في مكان لحيلولة جرم كثيف بينه وبين النير ، فإذا حالت عدة أجرام بين النير وعدة أمكنة حدثت ظلمات بالضرورة ، واعتبر هذا بعدة أشجار متفرقة يحدث لها في النهار المشمس والليل المقمر عدة ظلال ، والليل ظلمة حدثت لحيلولة الأرض بين الشمس والفضاء ، فلذلك أظلم .
ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
( 1 ) [ الأنعام : 1 ] أي يجعلون له عدلا يعبد معه ، مع أنه مخلوق وإنما اللّه - عزّ وجل - هو خالق كل شيء ، وهذا من أدلة التوحيد ، وتقريره أن اللّه - عزّ وجل - [ هو خالق الموجودات . / [ 72 ب / م ] وكل من كان خالق الموجودات ، فهو وحده الإله ، فاللّه - عزّ وجل - ] وحده هو الإله ، والمقدمتان واضحتان ، وفيه تعريض بالمجوس ؛ لنصه على خلق الظلمات والنور اللذين اعتقدهما المجوس إلهين ، وتقريره أن الظلمة والنور مخلوقان ، ولا شيء من المخلوق بإله ، فلا شيء من الظلمة والنور بإله ، وإنما اغتر المجوس بأن قالوا : العالم مشتمل على خير وشر ، وهما لا يصدران عن مبدأ واحد ، فهما صادران عن مبدأين ، وليس أولى بهما من النور والظلمة ؛ لأن النور خير فناسب أن يصدر عنه الخير ، والظلمة شر ؛ فناسب أن يصدر عنها الشر . واعلم أن هذا كلام ركيك لا يستحق جوابا ، لكن لا بد من كشف الشبهة ، فنقول : قولكم : « الخير والشر لا يصدران عن مبدأ واحد » . إن بنيتم ذلك على رأي الفلاسفة في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد ، فهو أصل باطل وشبهة زائفة ، وإن كان شيئا قلتموه