تخطي إلى المحتوى الرئيسي

عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
قوله :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
« 1 » يعني أنّ مقته لكم على ذلك أشدّ من مقته لكم على غيره من الذنوب ، ولذلك أخرجهما نصبا على التمييز . قوله :
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ
« 2 » إشارة إلى من تولّى حديث الإفك ، ونبّه بذلك على أنّ كلّ من سنّ سنّة قبيحة يقتدي بها غيره فذنبه أعظم وعقوبته أشدّ . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان عليه وزرها ووزر من عمل بها » « 3 » وفي عكسه كذلك . والكبر والتّكبّر والاستكبار تتقارب معنى ، لكنّ الكبر الحالة التي يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه ، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره . وأعظم الكبر والتكبّر : ما وقع في جانب أوامر اللّه ونواهيه ، وذلك أن يتكبّر على أداء طاعاته والانزجار عن معاصيه . والاستكبار يقال باعتبارين ؛ أحدهما تحرّي الإنسان وطلبه أن يكون كبيرا . وهذا إذا كان على ما يجب وفي المكان الذي يجب وفي الزمان الذي يجب محمود غير مذموم . والثاني أن يتشبّع فيظهر من نفسه ما ليس له أو يرى نفسه أكبر من غيره بما أنعم اللّه عليه من مال أو جاه . ولذلك قال تعالى :
نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً
« 4 » ، فجعل إرادة ذلك علة مستقلة بدليل إعادة « لا » فيما عطف . وجميع ما ورد في القرآن العظيم من الاستكبار من هذا النوع كقوله تعالى :
وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً
« 5 » أي واستكبر ،
فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا
« 6 » قابل المستكبرين بالضعفاء منبهة على أنّ استكبارهم عليهم كان بما لهم من القوّة في البدن والمال . وقوله :
فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
« 7 » فنبّه بقوله :
فَاسْتَكْبَرُوا
على تكبّرهم وإعجابهم بأنفسهم وبقوله :
وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ
أنّ الحامل لهم على ذلك ما تقدّم من جرمهم ، وأنّ ذلك ليس شيئا حادثا
هامش
( 1 ) 3 / الصف : 61 . ( 2 ) 11 / النور : 24 . ( 3 ) ذكره مسلم في صحيحه في باب الزكاة : 69 . ( 4 ) 83 / القصص : 28 . ( 5 ) 7 / النوح : 71 . ( 6 ) 47 / غافر : 40 . ( 7 ) 133 / الأعراف : 7 .