فضلك ، فيكون النّظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب إنما يجوز هذا إذا لم يسند إلى الوجه ، فإذا أسند النظر إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب ، ولا الانتظار وإذا بطل المعنيان لم يبق لبقاء الرّؤية كلام وإن شق ذلك عليهم ، والأحاديث الصحيحة تعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية وسنذكرها إن شاء اللّه تعالى .
( فصل : في إثبات رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى في الآخرة ) قال علماء أهل السنة رؤية اللّه سبحانه وتعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا ، وأجمعوا على وقوعها في الآخرة ، وأن المؤمنين يرون اللّه سبحانه ، وتعالى دون الكافرين بدليل قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
وزعمت طوائف من أهل البدع كالمعتزلة والخوارج ، وبعض المرجئة أن اللّه تعالى لا يراه أحد من خلقه ، وأن رؤيته مستحيلة عقلا ، وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح ، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ، فمن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية اللّه تعالى ، وقد رواها نحو من عشرين صحابيا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وآيات القرآن فيها مشهورة ، واعتراضات المبتدعة عليها لها أجوبتها مشهورة في كتب المتكلمين من أهل السنة ، وكذلك باقي شبههم وأجوبتها مشهورة مستفاضة في كتب الكلام ، وليس هذا موضع ذكرها ، ثم مذهب أهل الحق أن الرؤية قوة يجعلها اللّه في خلقه ، ولا يشترط فيها اتصال الأشعة ، ولا مقابلة المرئي ولا غير ذلك .
وأما الأحاديث الواردة في إثبات الرّؤية فمنها ما روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه ، وأزواجه ، ونعيمه وخدمه ، وسروره مسيرة ألف سنة ، وأكرمهم على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ، ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
أخرجه التّرمذي وقال : هذا حديث غريب ، وقال : وقد روي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ولم يرفعه ( ق ) عن جرير بن عبد اللّه قال « كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنظر إلى القمر ليلة البدر ، وقال إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشّمس ، وقبل الغروب » قوله « لا تضامون » روي بفتح التاء وتشديد الميم وقد تضم التاء مع التّشديد أيضا ومعناه لا ينضم بعضكم إلى بعض ولا تزدحمون وقت النظر إليه ، وروي بتخفيف الميم ومعناه لا ينالكم ضيم في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض وقوله : « إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون القمر » معناه تشبيه الرّؤية بالرّؤية في الوضوح وزوال الشّك والمشقة لا تشبيه المرئي بالمرئي عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه « أن أناسا قالوا : يا رسول اللّه هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : هل تضارون في القمر ليلة البدر ، قالوا : لا يا رسول اللّه قال : هل تضارون في الشّمس ليس دونها سحاب ، قالوا : لا يا رسول اللّه قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنكم سترونه كذلك » أخرجه أبو داود وأخرجه التّرمذي . وليس عنده في أوله أن أناسا سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا قوله ليس دونها سحاب . قال الترمذي وقد روي مثل هذا الحديث عن أبي سعيد وهو صحيح ، وهذا الحديث طرف من حديث طويل قد أخرجه البخاري ومسلم ، ومعنى تضارون وتضامون واحد .
عن أبي رزين العقيلي قال : « قلت يا رسول اللّه أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة ؟ قال نعم قلت وما آية ذلك في خلقه ؟ قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به قلت بلى قال : فاللّه أعظم إنما هو خلق من خلق اللّه يعني القمر فاللّه أجل وأعظم » أخرجه أبو داود ( م ) عن صهيب رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول اللّه تبارك وتعالى : تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار ؟ قال : فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك وتعالى » والأحاديث في الباب كثيرة وهذا القدر كاف واللّه أعلم . قوله عز وجل :
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ
أي عابسة كالحة