النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مرسل للإنس والجنّ ، وهذا هو الحق ، أعني أن الجن لم يرسل منهم إلا بواسطة رسالة الإنس ، كما جاء في الحديث عن الجن الذين لما سمعوا القرآن ولّوا إلى قومهم ، ولكن لا يحتاج إلى تقدير مضاف ، وإن قلنا : إنّ رسل الجنّ من الإنس للمعنى الذي ذكرته ، وهو أنه يطلق عليهم رسل مجازا ، لكونهم رسلا بواسطة رسالة الإنس . وقد زعم قوم أن اللّه أرسل للجنّ رسولا منهم يسمّى يوسف .
قوله :
ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ .
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه مبتدأ ، محذوف الخبر ، أي : ذلك الأمر .
الثاني : عكسه ، أي : الأمر ذلك .
الثالث : أنه منصوب ، بإضمار فعل ، أي : فلنا ذلك . وإنما يظهر المعنى إذا عرف المشار إليه ، وهو يحتمل أن يكون إتيان الرّسل قاصّين الآيات ، ومنذرين بالحشر والجزاء ، وأن يكون ذلك الذي قصصنا من أمر الرّسل ، وأمر من كذّب ، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى السؤال المفهوم من قوله :
أَ لَمْ يَأْتِكُمْ .
وقوله :
أَنْ لَمْ يَكُنْ
فيجوز فيه وجهان :
أحدهما : أنه على حذف لام العلة ، أي : ذلك الأمر الذي قصصنا ، أو ذلك الإتيان ، أو ذلك السؤال لأجل أن لم يكن ، فلما حذفت اللام احتمل موضعها الجر والنصب ، كما عرف غير مرة .
والثاني : أن يكون بدلا من
« ذلِكَ »
. قال الزمخشري : ولك أن تجعله بدلا من
« ذلِكَ »
، كقوله :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
« 1 » انتهى . « فيجوز أن يكون في محل رفع أو نصب على ما تقدم في
« ذلِكَ »
، إلّا أنّ الزمخشريّ القائل بالبدلية لم يذكر في محل
« ذلِكَ »
إلّا الرفع على خبر مبتدأ مضمر . و
« أَنْ »
يجوز أن تكون الناصبة للمضارع ، وأن تكون المخففة واسمها ضمير الشأن ، و
« لَمْ يَكُنْ »
في محل رفع خبرها ، وهي نظير قوله :
أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا
« 2 » ، وقول الشاعر :
2071 - في فتنة كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل « 3 »
قوله :
« بِظُلْمٍ »
يجوز فيه وجهان :
أظهرهما : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من
« رَبُّكَ »
أو من الضمير في
« مُهْلِكَ »
، أي : لم يكن مهلك القرى ملتبسا بظلم ، ويجوز أن يكون حالا من
« الْقُرى »
، أي : ملتبسة بذنوبها ، والمعنيان منقولان في التفسير .
والثاني : أنه يتعلق ب
« مُهْلِكَ »
، على أنه مفعول ، وهو بعيد ، وقد ذكره أبو البقاء . وقوله :
« وَأَهْلُها غافِلُونَ »
جملة حالية .
وقوله :
وَلِكُلٍّ .
هامش
( 1 ) سورة الحجر ، آية ( 66 ) .
( 2 ) سورة طه ، آية ( 89 ) .
( 3 ) تقدم .