تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 613

مساهمون:

ص٦١٣
والثاني : أنه مفعول من أجله ، قال الزمخشري : « أي : أحلّ لكم تمتيعا لكم ، وهو في المفعول له بمنزلة قوله تعالى :
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً
« 1 » في باب الحال ، لأنّ قوله
« مَتاعاً لَكُمْ »
مفعول له مختصّ بالطعام كما أنّ « نافلة » حال مختص بيعقوب ، يعني أحلّ لكم طعامه تمتيعا لتنائكم تأكلونه طريّا ولسيّارتكم يتزودونه قديدا » انتهى . فقد خص الزمخشري كونه مفعولا له بكون الفعل وهو
« أُحِلَّ »
مسندا لقوله :
« طَعامُهُ »
وليس علة لحلّ الصيد ، وإنما هو علة لحلّ الطعام فقط ، وإنما حمله على ذلك مذهبه - وهو مذهب أبي حنيفة - من أنّ صيد البحر منقسم إلى ما يؤكل وإلى ما لا يؤكل ، وأنّ طعامه هو المأكول منه ، وأنه لا يقع التمثيل إلا بالمأكول منه طريا وقديدا ، وقوله ، « نافلة » يعني أنّ هذه الحال مختصة بيعقوب لأنه ولد بخلاف إسحاق فإنه ولده لصلبه ، والنافلة إنما تطلق على ولد الولد دون الولد ، فكذا
« مَتاعاً »
، إلّا أنّ هذا يؤدّي إلى أنّ الفعل الواحد يسند لفاعلين متعاطفين يكون في إسناده إلى أحدهما معللا وإلى الآخر ليس كذلك ، فإذا قلت : « قام زيد وعمرو إجلالا لك » فيجوز أن يكون « قيام زيد » هو المختصّ بالإجلال أو بالعكس ، وهذا فيه إلباس ، وأمّا ما أورده من الحال في الآية الكريمة فثمّ قرينة أوجبت صرف الخال إلى أحدهما بخلاف ما نحن فيه من الآية الكريمة ، وأمّا غير مذهبه فإنه يكون مفعولا له غير مختصّ بأحد المتعاطفين وهو ظاهر جليّ . و
« لَكُمْ »
إن قلنا
« مَتاعاً »
مصدر فيجوز أن يكون صفة له ، ويكون مصدرا مبنيا لكونه وصف ، وإن قلنا إنه مفعول له فيتعلّق بفعل محذوف ، أي : أعني لكم نحو : « قمت إجلالا لك » ، ويجوز أن تكون اللام مقوية لتعدية المصدر ، إذ التقدير : لأن أمتّعكم ، ولأن أجلّك ، وهكذا ما جاء من نظائره . قوله :
ما دُمْتُمْ
« ما »
مصدرية ، و
« دُمْتُمْ »
صلتها وهي مصدرية ظرفية أي : حرّم عليكم صيد البر مدة دوامكم محرمين . والجمهور على ضمّ دال
« دُمْتُمْ »
من لغة من قال : دام يدوم . وقرأ يحيى : « دمتم » بكسرها من لغة من يقول : دام يدام كخاف يخاف ، وهما كاللغتين في مات يموت ويمات ، وقد تقدّم « 2 » والجمهور على
« وَحُرِّمَ »
مبنيا للمفعول ،
« صَيْدُ »
رفعا على قيامه مقام الفاعل ، وقرىء « 3 » : « وحرّم » مبنيا للفاعل ، « صيد » نصبا على المفعول به . والجمهور أيضا على
« حُرُماً »
بضم الحاء والراء جمع « حرام » بمعنى محرم ك « قذال » و « قذل » . وقرأ ابن عباس « حرما » بفتحهما ، أي : ذوي حرم أي إحرام ، وقيل : جعلهم بمنزلة المكان الممنوع منه ، والأحسن أن يكون من باب « رجل عدل » جعلهم نفس المصدر فإنّ
« حُرُماً »
بمعنى إحرام ، وتقدم أن المصدر يقع للواحد فما فوق بلفظ واحد . والبرّ معروف ، قال الليث : « ويستعمل نكرة يقال : جلست برّا وخرجت برّا » . قال الأزهري : « وهو من كلام المولّدين » وفيه نظر لقول سلمان الفارسي : « إنّ لكلّ امرئ جوّانيّا وبرّانيا » أي باطن وظاهر ، وهو من تغيير النسب ، وقد تقدم استيفاء هذه المادة في البقرة « 4 » . وقدّم
« إِلَيْهِ »
على
« تُحْشَرُونَ »
للاختصاص أي : تحشرون إليه لا إلى غيره ، أو لتناسب رؤوس الآي . قوله تعالى :
جَعَلَ اللَّهُ :
فيها وجهان : أحدهما : أنها بمعنى صيّر فتتعدّى لاثنين ، أولهما
« الْكَعْبَةَ »
والثاني
« قِياماً »
. والثاني : أن تكون بمعنى خلق فتتعدى لواحد ، وهو
« الْكَعْبَةَ »
، و
« قِياماً »
نصب على الحال . وقال بعضهم :
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية ( 72 ) . ( 2 ) انظر تفسير الآية ( 157 ) من سورة آل عمران . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 24 ) . ( 4 ) انظر تفسير الآية ( 44 ) .