أحدها : أنه منصوب على الاستثناء من قوله :
« إِنَّ الْمُنافِقِينَ »
.
الثاني : أنه مستثنى من الضمير المجرور في
« لَهُمْ »
.
الثالث : أنه مبتدأ ، وخبره الجملة من قوله :
« فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ »
. قيل : « ودخلت الفاء في الخبر لشبه باسم الشرط قال أبو البقاء ومكي وغيرهما :
« مَعَ الْمُؤْمِنِينَ »
خبر « أولئك » ، والجملة خبر
« إِلَّا الَّذِينَ »
والتقدير : فأولئك مؤمنون مع المؤمنين ، وهذا التقدير لا تقتضيه الصناعة ، بل الذي تقتضيه الصناعة أن يقدّر الخبر الذي يتعلق به هذا الظرف شيئا يليق به ، وهو « فأولئك مصاحبون أو كائنون أو مستقرون » ونحوه ، فتقدّره كونا مطلقا أو ما يقاربه .
قوله :
وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ
رسمت
« يُؤْتِ »
دون « ياء » وهو مضارع مرفوع فحقّ يائه أن تثبت لفظا وخطا ، إلا أنها حذفت لفظا في الوصل لالتقاء الساكنين فجاء الرسم تابعا للفظ ، وله نظائر تقدم بعضها . والقراء يقفون عليه دون ياء اتّباعا للخط الكريم ، إلا يعقوب فإنه يقف بالياء نظرا إلى الأصل ، وروي ذلك أيضا عن الكسائي وحمزة . وقال أبو عمرو : « ينبغي أن لا يوقف عليها ، لأنه إن وقف عليها كما في الرسم دون ياء خالف النحويين ، وإن وقف بالياء خالف رسم المصحف » ولا بأس بما قال ، لأن الوقف ليس ضروريا ، فإن اضطرّ إليه واقف لقطع نفس ونحوه فينبغي أن يتابع الرسم ، لأنّ الأطراف قد كثر حذفها ، وممّا يشبه هذا الموضع قوله :
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ
« 1 » فإنه رسم « تق » بقاف دون هاء سكت ، وعند النحويين أنه إذا حذف من الفعل شيء حتى لم يبق منه إلّا حرف واحد ووقف عليه وجب الإتيان بهاء السكت في آخره جبرا له نحو : « قه » و « لم يقه » و « عه » و « لم يعه » ، ولا يعتدّ بحرف المضارعة لزيادته على بنية الكلمة فإذا تقرر هذا فتقول : ينبغي ألّا يوقف عليه ؛ لأنه إن وقف بغير هاء سكت خالف الصناعة النحوية ، وإن وقف بهاء خالف رسم المصحف .
قوله تعالى :
ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ :
في
« ما »
وجهان :
أحدهما : أنها استفهامية فتكون في محل نصب ب
« يَفْعَلُ »
وإنما قدّم لكونه له صدر الكلام . والباء على هذا سببية متعلقة ب
« يَفْعَلُ »
، والاستفهام هنا معناه النفي ، والمعنى : أنّ اللّه لا يفعل بعذابكم شيئا ؛ لأنه لا يجلب لنفسه بعذابكم نفعا ولا يدفع عنها به ضرا ، فأيّ حاجة له في عذابكم ؟ .
والثاني : أن
« ما »
نافية كأنه قيل : لا يعذبكم اللّه ، وعلى هذا فالباء زائدة ولا تتعلق بشيء . وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيء واحد ، فينبغي أن تكون سببية في الموضعين أو زائدة فيهما ، لأن الاستفهام بمعنى النفي فلا فرق ، والمصدر هنا مضاف لمفعوله . وقوله :
« إِنْ شَكَرْتُمْ »
جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه أي : إن شكرتم وآمنتم فما يفعل بعذابكم ؟ .
قوله تعالى :
لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ :
« بِالسُّوءِ »
متعلق بالجهر ، وهو مصدر معرف ب « أل » استدل به الفارسي على جواز إعمال المصدر المعرف بأل . قيل : ولا دليل فيه لأنّ الظرف والجار يعمل فيهما روائح الأفعال .
وفاعل هذا المصدر محذوف أي : الجهر أحد ، وقد تقدم أن الفاعل يطّرد حذفه في صور منها المصدر ، ويجوز أن
هامش
( 1 ) سورة غافر ، الآية ( 9 ) .