العطف والبدل قدّم البدل على العطف ، لو قلت : « جاء زيد وعائشة أخوك » لم يجز ، إنما الكلام جاء زيد أخوك وعائشة » .
فتحصّل في رفع « القائم » على هذه القراءة ثلاثة أوجه : النعت والبدل وخبر مبتدإ محذوف . ونقل عن عبد اللّه أيضا أنه قرأ : « قائم بالقسط » بالتنكير ، ورفعه من وجهي البدل وخبر المبتدأ . وقرأ أبو حنيفة : « قيّما » بالنصب على ما تقدّم . فهذه أربعة أوجه حرّرتها من كلام القوم .
والظاهر أن رفع
« الْمَلائِكَةُ »
وما بعده عطف على الجلالة المعظمة . وقال بعضهم : « الكلام تمّ عند قوله :
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
وارتفع
« الْمَلائِكَةُ »
بفعل مضمر تقديره : وشهد الملائكة وأولو العلم بذلك » وكأنّ هذا الذاهب يرى أنّ شهادة اللّه مغايرة لشهادة الملائكة وأولي العلم ، ولا يجيز إعمال المشترك في معنييه فاحتاج من أجل ذلك إلى إضمار فعل يوافق هذا المنطوق لفظا ويخالفه معنى ، وهذا يجيء نظيره في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ
« 1 » . قال الزمخشري : « فإن قلت : هل دخل قيامه بالقسط في حكم شهادة اللّه والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية ؟
قلت : نعم إذا جعلته حالا من
« هُوَ »
أو نصبا على المدح منه ، أو صفة للمنفي ، كأنه قيل : شهد اللّه والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو وأنه قائم بالقسط » .
قوله :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
في هذه الجملة وجهان :
أحدهما : أنها مكررة للتوكيد . قال الزمخشري : « فإن قلت : لم كرّر قوله
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ »
؟ قلت : ذكره أولا للدلالة على اختصاصه بالوحدانية ، وأنه لا إله إلا تلك الذات المتميّزة ، ثم ذكره ثانيا بعد ما قرن بإثبات الوحدانية إثبات العدل للدلالة على اختصاصه بالأمرين ، كأنه قال : لا إله إلا هو الموصوف بالصفتين ، ولذلك قرن به قوله :
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
لتضمّنها معنى الوحدانية والعدل » .
وقال بعضهم : « ليس بتكرير ؛ لأنّ الأول شهادة اللّه تعالى وحده ، والثاني شهادة الملائكة وأولي العلم » ، وهذا كما تقدّم عند من يرفع
« الْمَلائِكَةُ »
بفعل آخر مضمر لما ذكرته من أنه لا يرى إعمال المشترك ، وأن الشهادتين متغايرتان ، وهو مذهب مرجوح . وقال الراغب : « إنما كرّر لا إله إلا هو لأنّ صفات التنزيه أشرف من صفات التمجيد ، لأنّ أكثرها مشارك في ألفاظها العبيد فيصحّ وصفهم بها ، ولذلك وردت ألفاظ التنزيه في حقّه أكثر وأبلغ » .
قوله :
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه بدل من
« هُوَ »
.
الثاني : أنه خبر مبتدأ مضمر .
الثالث : أنه نعت ل
« هُوَ »
، وهذا إنّما يتمشّى على مذهب الكسائي ، فإنّه يرى وصف الضمير الغائب ، ويتقدّم نحو هذا في قوله
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
« 2 » .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 19 ]
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 )
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 56 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 163 ) .