تقديره : منافقا أيّ منافق ، وهذا نادر ، وقد تقدّم أنّ تقدير الزمخشري كذلك ، أعني كونه حذف موصوف أيّ .
وأصل « يذّكّر » : يتذكّر فأدغم .
قوله تعالى :
وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ :
كقوله :
ما نَنْسَخْ
« 1 »
وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
« 2 » وقد تقدّم تحقيق القول فيهما . وتقدّم أيضا مادة « نذر » في قوله :
أَ أَنْذَرْتَهُمْ
« 3 » ، إلّا أنّ النّذر له خصوصية : وهو عقد الإنسان ضميره على شيء والتزامه ، وفعله : نذر - بالفتح - ينذر وينذر : بالكسر والضّمّ في المضارع ، يقال : نذر فهو ناذر ، قال عنترة :
1081 -
الشّاتمي عرضي ولم أشتمهما * والنّاذرين إذا لم القهما دمي « 4 »
وقوله :
فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ
جواب الشرط إن كانت « ما » شرطية ، أو زائدة في الخبر إن كانت موصولة . ووحّد الضمير في « يعلمه » وإن كان قد تقدّم شيئان : النّفقة والنّذر لأنّ العطف هنا ب « أو » ، وهي لأحد الشيئين ، تقول :
« إن جاء زيد أو عمرو أكرمته » ، ولا يجوز : أكرمتهما ، بل يجوز أن تراعي الأول نحو : « زيد أو هند منطلق ، أو الثاني نحو : زيد أو هند منطلقة ، والآية من هذا ، ولا يجوز أن يقال : منطلقان . ولهذا تأوّل النحويون :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
« 5 » كما سيأتي . ومن مراعاة الأول قوله :
وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
« 6 » ، وبهذا الذي قررته لا يحتاج إلى تأويلات ذكرها المفسرون هنا : فروي عن النحاس أنه قال : « التقدير : وما أنفقتم من نفقة فإن اللّه يعلمها ، أو نذرتم من نذر فإنّ اللّه يعلمه ، فحذف ، ونظره بقوله :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها
« 7 » وقوله :
1082 -
نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرّأي مختلف « 8 »
وقول الآخر :
1083 -
رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن أجل الطويّ رماني « 9 »
وهذا لا يحتاج إليه ؛ لأنّ ذلك إنما هو في الواو المقتضية للجمع بين الشيئين ، وأمّا « أو » المقتضية لأحد الشيئين فلا . وقال ابن عطية : « ووحّد الضمير في « يعلمه » وقد ذكر شيئين من حيث إنه أراد ما ذكر أو ما نصّ » ، ولا حاجة إلى هذا أيضا لما عرفت من حكم « أو » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 206 ) .
( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 197 ) .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 6 ) .
( 4 ) البيت في ديوانه ( 222 ) ، شرح القصائد العشر ( 377 ) ، العيني ( 3 / 551 ) ، الأشموني ( 2 / 246 ) .
( 5 ) سورة النساء ، آية ( 135 ) .
( 6 ) سورة الجمعة ، آية ( 11 ) .
( 7 ) سورة التوبة ، آية ( 34 ) .
( 8 ) البيت لمالك بن العجلان وقيل لقيس بن الحطيم وهو في ديوانه ( 173 ) ، انظر الكتاب ( 1 / 38 ) ، الأشموني ( 3 / 152 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 96 ) .
( 9 ) البيت لعمرو بن أحمر وينسب للأزرق بن طرفة الفراصي كما في اللسان ( حول ) انظر الكتاب ( 1 / 75 ) ، الهمع ( 1 / 116 ) ، الدرر ( 1 / 85 ) ، شرح الحماسة ( 2 / 936 ) ، معاني الفراء ( 2 / 458 ) ، إعراب النحاس ( 2 / 50 ) ، والطوى : البئر المطوية بالحجارة ، رماني : أي قذفني بأمر أكرهه .