الأخرى كما فعل ذلك في غيره » فظاهر هذه العبارة أنه يجوز كسر سينها مع الظاهر بطريق القياس على المضمر ، وغيره من النحويين يمنع ذلك حتى مع المضمر مطلقا ، ولكن لا يلتفت إليه لوروده متواترا ، وظاهر قوله « قول العرب :
عسى » أنه مسموع منهم اسم فاعلها ، وكذلك حكاه أبو البقاء أيضا عن ابن الأعرابي ، وقد نصّ النحويون على أن « عسى » لا تتصرّف .
واعلم أنّ مدلول « عسى » إنشاء لأنها للترجي أو للإشفاق ، فعلى هذا : فكيف دخلت عليها « هل » التي تقتضي الاستفهام ؟ فالجواب أن الكلام محمول على المعنى ، قال الزمخشري : « والمعنى : هل قاربتم ألّا تقاتلوا ، يعني :
هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون ، أراد أن يقول : عسيتم ألّا تقاتلوا ، بمعنى أتوقّع جبنكم عن القتال ، فأدخل « هل » مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقّع كائن وأنه صائب في توقعه ، كقوله تعالى :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ
« 1 » معناه التقرير » وهذا من أحسن الكلام ، وأحسن من قول من زعم أنها خبر لا إنشاء ، مستدلّا بدخول الاستفهام عليها ، وبوقوعها خبرا لإنّ في قوله :
1024 -
لا تكثرن إنّي عسيت صائما * . . . « 2 »
وهذا لا دليل فيه لأنه على إضمار القول كقوله :
1025 -
إنّ الّذين قتلتم أمس سيّدهم * لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما
ولذلك لا توصل بها الموصولات خلافا لهشام .
قوله :
وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ
هذه الواو رابطة لهذا الكلام بما قبله ، ولو حذفت لجاز أن يكون منقطعا ممّا قبله .
و « ما » في محلّ رفع بالابتداء ، ومعناها الاستفهام ، وهو استفهام إنكار . و « لنا في محلّ رفع خبر ل « ما » .
و « ألّا نقاتل » فيه ثلاثة أوجه :
أظهرها : أنّها على حذف حرف الجرّ ، والتقدير : وما لنا في ألّا نقاتل ، أي : في ترك القتال ، ثم حذفت « في » مع « أن » فجرى فيها الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه : أهي في محلّ جر أم نصب ؟ وهذا الجارّ يتعلّق بنفس الجارّ الذي هو « لنا » ، أو بما يتعلّق هو به على حسب ما تقدّم في
مِنْ بَعْدِ مُوسى
« 3 » .
والثاني : مذهب الأخفش أنّ « أن » زائدة ، ولا يضر عملها مع زيادتها ، كما لا يضرّ ذلك في حروف الجر الزائدة ، وعلى هذا فالجملة المنفيّة بعدها في محلّ نصب على الحال ، كأنه قيل : ما لنا غير مقاتلين ، كقوله :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً
« 4 »
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ
« 5 » وقول العرب : « مالك قائما » ، وقوله تعالى :
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
« 6 » وهذا المذهب ضعيف لأنّ الأصل عدم الزيادة ، فلا يصار إليها دون ضرورة .
هامش
( 1 ) تقدم .
( 2 ) البيت لأبي مكعب يخاطب بني سعد في غلام قتلوه ، انظر أمالي ابن الشجري ( 1 / 212 ) ، الهمع ( 1 / 135 ) ، المغني ( 2 / 585 ) ، الدرر ( 1 / 112 ) ، التصريح ( 1 / 298 ) ، الخزانة ( 10 / 249 ) ، والشاهد قوله « لا تحسبوا » ظاهره وقوع الإنشاد خبرا عن « إن » وهو مؤول على إضمار القول وهذا القول هو الخبر .
( 3 ) سورة البقرة ، آية ( 246 ) .
( 4 ) سورة نوح ، آية ( 13 ) .
( 5 ) سورة المائدة ، آية ( 84 ) .
( 6 ) سورة المدثر ، آية ( 49 ) .