يشبهه . وسيأتي له مزيد بيان . فإن قلت : قد أخرجت « أنّى » عن الظرفية الحقيقة وجعلتها لتعميم الأحوال مثل كيف ، وقلت : إنها مقتضية لجملة أخرى كالشرط ، فهل الفعل بعدها في محلّ جزم اعتبارا بكونها شرطية ، أو في محلّ رفع كما تكون كذلك بعد « كيف » التي تستعمل شرطية ؟ قلت : تحتمل الأمرين ، والأرجح الأول لثبوت عمل الجزم ، لأن غاية ما في الباب تشبيه الأحوال بالظروف للعلاقة المذكورة ، وهو تقدير « في » في كلّ منهما » . ولم يجزم ب « كيف » إلا بعضهم قياسا لا سماعا . ومفعول « شئتم » محذوف أي : شئتم إتيانه بعد أن يكون في المحلّ المباح .
قوله :
وَقَدِّمُوا
مفعوله محذوف أي : نيّة الولد أو نية الإعفاف وذكر اللّه أو الخير ، كقوله :
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ
« 1 » و « لأنفسكم » متعلق بقدّموا . واللام تحتمل التعليل والتعدي . والهاء في « ملاقوه » يجوز أن تعود على اللّه تعالى . ولا بدّ من حذف مضاف أي : ملاقو جزائه ، وأن تعود على مفعول « قدّموا » المحذوف ، على حذف مضاف أيضا أي : ملاقو جزاء ما قدّمتم ، وأن تعود على الجزاء الدالّ عليه مفعول « قدّموا » المحذوف .
والضمير في
« وَبَشِّرِ »
للرسول عليه السّلام لجري ذكره في قوله :
« يَسْئَلُونَكَ »
قاله أبو البقاء ، وفيه نظر لأنّ ضمير الخطاب والتكلم لا يحتاج أن يقال فيهما تقدّم ذكر ما يدلّ عليهما . ويجوز أن يكون لكلّ من يصحّ منه البشارة .
قوله تعالى :
لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا :
هذه اللام تحتمل وجهين :
أحدهما : أن تكون مقوية لتعدية « عرضة » تقدير : ولا تجعلوا اللّه معدّا ومرصدا لحلفكم .
والثاني : أن تكون للتعليل ، فتتعلّق بفعل النهي أي : لا تجعلوه عرضة لأجل أيمانكم .
قوله :
أَنْ تَبَرُّوا
فيه ستة أوجه :
أحدها وهو قول الزجاج والتبريزي « 2 » وغيرهما ، أنها في محلّ رفع بالابتداء والخبر محذوف تقديره : أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا خير لكم من أن تجعلوه عرضة لأيمانكم ، أو برّكم أولى وأمثل ، وهذا ضعيف ؛ لأنه يؤدّي إلى انقطاع هذه الجملة عمّا قبلها ، والظاهر تعلّقها به .
الثاني : أنّها في محلّ نصب على أنها مفعول من أجله ، وهذا قول الجمهور ، ثم اختلفوا في تقديره ، فقيل :
إرادة أن تبرّوا ، وقيل : كراهة أن تبروا ، قاله المهدوي ، وقيل : لترك أن تبروا ، قاله المبرد ، وقيل : لئلا تبروا ، قاله أبو عبيدة والطبري ، وأنشدا :
958 -
. . . فلا واللّه تهبط تلعة * . . . « 3 »
أي : لا تهبط ، فحذف « لا » ومثله :
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
« 4 » أي : لئلا تضلّوا . وتقدير الإرادة هو
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 110 ) .
( 2 ) يحيى بن علي بن محمد بن الحسن بن محمد بن موسى أبو زكريا ابن الخطيب التبريزي شرح القصائد العشر وفسر القرآن وتوفي في جمادى الأولى سنة ثنتين وخمسمائة البغية ( 2 / 338 ) ، معجم الأدباء ( 20 / 25 ) .
( 3 ) تقدم .
( 4 ) سورة النساء ، آية ( 176 ) .