659 -
ليس العطاء من الفضول سماحة * حتّى تجود وما لديك قليل « 1 »
قال : « تقديره : إلا أن تجود » .
واعلم أن « حتى » تكون حرف جر بمعنى إلى كهذه الآية ، وكقوله :
حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
« 2 » وتكون حرف عطف وتكون حرف ابتداء فتقع بعدها « الجمل كقوله » :
660 -
فما زالت القتلى تمجّ دماءها * بدجلة حتّى ماء دجلة أشكل « 3 »
والغاية معنى لا يفارقها في هذه الأحوال الثلاثة « فلذلك لا يكون ما بعدها » إلا غاية لما قبلها : إما في القوة أو الضعف أو غيرهما ، ولها أحكام ستأتي - إن شاء اللّه تعالى - و « إنما » مكفوفة بما الزائدة ، فلذلك وقع بعدها الجملة ، وقد تقدم أن بعضهم يجيز إعمالها ، والجملة في محل نصب بالقول ، وكذلك : « فلا تكفر » .
قوله :
فَيَتَعَلَّمُونَ
في هذه الجملة سبعة أقوال :
أظهرها : أنها معطوفة على قوله :
وَما يُعَلِّمانِ
والضمير في « فيتعلمون » عائد على « أحد » وجمع حملا على المعنى نحو قوله :
فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ
« 4 » .
فإن قيل : المعطوف عليه منفي ، فيلزم أن يكون « فيتعلمون » منفيا أيضا لعطفه عليه ، وحينئذ ينعكس المعنى .
فالجواب ما قالوه ، وهو أن
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا
وإن كان منفيا لفظا فهو موجب معنى ، لأن المعنى :
يعلمان الناس السحر بعد قولهما : إنما نحن فتنة ، وهذا الوجه ذكره الزجاج وغيره .
الثاني : أنه معطوف على
يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ
قاله الفراء . وقد اعترض الزجاج هذا القول بسبب لفظ الجمع في « يعلمون » مع إتيانه بضمير التثنية في « منهما » يعني فكان حقه أن يقال : « منهم » لأجل « يعلمون » وأجازه أبو علي وغيره وقالوا : لا يمتنع عطف « فيتعلمون » على « يعلمون » وإن كان التعليم من الملكين خاصة ، والضمير في « منهما » راجع إليهما ، فإن قوله « منهما » إنما جاء بعد تقدم ذكر الملكين ، وقد اعترض على قول الفراء من وجه آخر : وهو أنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر ، وذلك أن الضمير في « منهما » عائد على الملكين وقد فرضتم أن « فيتعلمون منهما » عطف على « يعلمون » فيكون التقدير : « يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما » فيلزم الإضمار في « منهما » قبل ذكر الملكين ، وهو اعتراض واه فإنهما متقدمان لفظا ، وتقدير تأخرهما لا يضر إذ المحذور عود الضمير على غير مذكور في اللفظ .
الثالث : وهو أحد قولي سيبويه - أنه عطف على « كفروا » و « كفروا » فعل في موضع رفع ، فلذلك عطف عليه فعل مرفوع قال سيبويه : « وارتفعت « فيتعلمون » لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا : لا تكفر فيتعلموا ليجعلا كفره سببا لتعلم غيره ، ولكنه على : كفروا فيتعلمون » وشرح ما قاله هو أنه يريد أن ليس « فيتعلمون » جوابا لقوله : « فلا تكفر » فينتصب في جواب النهي كما انتصب :
فَيُسْحِتَكُمْ
« 5 » بعد قوله : « لا تفتروا » لأن كفر من نهياه أن يكفر ،
هامش
- البغية ( 1 / 130 - 137 ) .
( 1 ) البيت للمقنع الكندي انظر الهمع ( 2 / 9 ) ، العيني ( 4 / 412 ) ، الدرر ( 2 / 6 ) ، حاشية يس ( 1 / 272 ) .
( 2 ) سورة القدر ، آية ( 5 ) .
( 3 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 344 ) ، الخزانة ( 9 / 477 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 8 / 18 ) ، الهمع ( 1 / 248 ) ، الدرر ( 1 / 207 ) ، الأشموني ( 3 / 300 ) ، التهذيب ( 1 / 22 ) ، ( شكل ) .
( 4 ) سورة الحاقة ، آية ( 47 ) .
( 5 ) سورة طه ، آية ( 61 ) .