تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 309

مساهمون:

ص٣٠٩
الثالث : أن في الكلام حذفا وتقديما وتأخيرا ، والتقدير : ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس فيكون
« مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا »
صفة لمحذوف ، ذلك المحذوف معطوف على الضمير في « لتجدنهم » وهذا وإن كان صحيحا من حيث المعنى ، ولكنه ينبو عنه التركيب لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة ، وعلى القول بانقطاعه من « أفعل » يكون « من الذين أشركوا » خبرا مقدما و « يود أحدهم » صفة لمبتدأ محذوف تقديره : ومن الذين أشركوا قوم أو فريق ، يود أحدهم وهو من الأماكن المطرد فيها حذف الموصوف بجملته ، كقوله
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
« 1 » وقوله : منا ظعن ومنا أقام . والظاهر أن الذين أشركوا غير اليهود كما تقدم . وأجاز الزمخشري أن يكون من اليهود لأنهم قالوا : عزير ابن اللّه ، فيكون إخبارا بأن من هذه الطائفة التي اشتد حرصها على الحياة من يود لو يعمر ألف سنة ، ويكون من وقوع الظاهر المشعر بالغلبة موقع المضمر ، إذ التقدير : ومنهم قوم يود أحدهم . وقد ظهر مما تقدم أن الكلام من باب عطف المفردات على القول بدخول « من الذين أشركوا » تحت أفعل ، ومن باب عطف الجمل على القول بالانقطاع . قوله :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
هذا مبني على ما تقدم ، فإن قيل بأن
مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
داخل تحت « أفعل » كان في « يود » خمسة أوجه : أحدها : أنه حال من الضمير في « لتجدنهم » أي : لتجدنهم وادّا أحدهم . الثاني : أنه حال من الذين أشركوا فيكون العامل فيه « أحرص » المحذوف . الثالث : أنه حال من فاعل « أشركوا » . الرابع : أنه مستأنف استؤنف للإخبار بتبيين حال أمرهم في ازدياد حرصهم على الحياة . الخامس : وهو قول الكوفيين : أنه صلة لموصول محذوف ، ذلك الموصول صفة للذين أشركوا ، والتقدير : ومن الذين أشركوا الذين يود أحدهم . وإن قيل بالانقطاع فيكون في محل رفع لأنه صفة لمبتدأ محذوف كما تقدم . و « أحد » هنا بمعنى واحد ، وهمزته بدل من واو وليس هو « أحد » المستعمل في النفي ، فإن ذاك همزته أصل بنفسها ، ولا يستعمل في الإيجاب المحض و « يود » مضارع وددت بكسر العين في الماضي ، فلذلك لم تحذف الواو في المضارع ، لأنها لم تقع بين ياء وكسرة بخلاف « يعد » وبابه ، وحكى الكسائي فيه « وددت » بالفتح . قال بعضهم : « فعلى هذا يقال يود بكسر الواو » والودادة التمني . قوله :
لَوْ يُعَمَّرُ
في « لو » هذه ثلاثة أقوال : أحدها - وهو الجاري على قواعد نحاة البصرة - : أنها حرف لما كان سيقع لوقوع غيره ، وجوابها محذوف لدلالة « يود » عليه وحذف مفعول « يود » لدلالة « لو يعمر » عليه ، والتقدير : يود أحدهم طول العمر لو يعمر ألف سنة لسر بذلك ، فحذف من كل واحد ما دل عليه الآخر ، ولا محل لها حينئذ من الإعراب . والثاني - وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء - : أنها مصدرية بمنزلة أن الناصبة ، فلا يكون لها جواب
هامش
( 1 ) سورة الصافات ، آية ( 164 ) .