تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
لأنه غير حقيقي ، وللفصل أيضا ، وهذا سبيل كلّ فعل فصل بينه وبين فاعله المؤنّث بشيء ، أو كان الفاعل مؤنثا مجازيا . قوله تعالى :
« فَتابَ عَلَيْهِ »
عطف على ما قبله ، ولا بدّ من تقدير جملة قبلها أي : فقالها . والكلمات جمع كلمة ، وهي اللفظ الدالّ على معنى مفرد ويطلق على الجمل المفيدة مجازا تسمية للكلّ باسم الجزء كقوله تعالى :
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ
« 1 » ثم فسّرها بقوله : « ألّا نعبد » إلى آخره . وقال تعالى :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ
« 2 » يريد قوله :
رَبِّ ارْجِعُونِ
إلى آخره ، وقال لبيد : 388 -
ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل * وكلّ نعيم - لا محالة - زائل « 3 »
فسمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كلمة ، فقال : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد » « 4 » . والتوبة : الرجوع ، ومعنى وصف اللّه تعالى بذلك أنه عبارة عن العطف على عباده وإنقاذهم من العذاب ، ووصف العبد بها ظاهر لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة ، والتوّاب الرحيم صفتا مبالغة ، ولا يختصّان بالباري تعالى . قال تعالى :
يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
« 5 » ، ولا يطلق عليه « تائب » وإن صرّح بفعله مسندا إليه تعالى ، وقدّم التواب على الرحيم لمناسبة « فتاب عليه » ولأنه موافق لختم الفواصل بالرحيم . وقوله :
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
نظير قوله :
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
« 6 » . وأدغم أبو عمرو هاء « إنه » في هاء « هو » . واعترض على هذا بأن بين المثلين ما يمنع من الإدغام وهو الواو ، وأجيب بأنّ الواو صلة زائدة لا يعتدّ بها بدليل سقوطها في قوله : 389 -
له زجل كأنّه صوت حاد * إذا طلب الوسيقة أو زمير « 7 »
وقوله : 390 -
أو معبر الظهر ينبي عن وليّته * ما حجّ ربّه في الدنيا ولا اعتمرا « 8 »
والمشهور قراءة : « إنّه » بكسر إنّ ، وقرئ بفتحها « 9 » على تقدير لام العلة .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 38 ]

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 38 ) قوله :
قُلْنَا اهْبِطُوا :
إنما كرّر قوله : « قلنا » لأنّ الهبوطين مختلفان باعتبار متعلّقيهما ، فالهبوط الأول علّق
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 64 ) . ( 2 ) سورة المؤمنون ، آية ( 100 ) . ( 3 ) البيت في ديوانه ( 256 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 2 / 78 ) ، الشذور ( 122 ) . ( 4 ) أخرجه البخاري ومسلم وسيأتي . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 222 ) . ( 6 ) سورة البقرة ، آية ( 32 ) . ( 7 ) البيت للشماخ انظر ديوانه ( 36 ) ، الإنصاف ( 298 ) ، الخصائص ( 1 / 127 ) ، الخزانة ( 2 / 388 ) ، رصف المباني ( 16 ) . ( 8 ) البيت وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 30 ) ، الإنصاف ( 298 ) ، الكشاف ( 1 / 152 ) . ( 9 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 166 ) .
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — صفحة 196 | أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي ) / علي محمد معوض / عادل أحمد عبد الموجود / جاد مخلوف جاد / زكريا عبد المجيد النوتي / أحمد محمد صيرة