تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
ثم قال لنبيه عليه السلام
فَإِنْ أَعْرَضُوا
عن التوحيد بعد هذا البيان الباهر والبرهان القاهر
فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً
لأن الإصرار على الجهل بعد وضوح الحق عناد ، ولا علاج للمعاند سوى التأديب بما يناسبه . يروى أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم لنا رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان عن أمره . فقال عتبة بن ربيعة : أنا ذاك . فأتاه وقال : أنت خير أم هاشم ؟ أنت خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد اللّه ؟ فبم تشتم آلهتنا وتضللنا . وعرض عليه الرئاسة والنساء والأموال إن ترك ذلك فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم إلى قوله
مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
فهال عتبة بذاك وناشده بالرحم ورجع ولم يأت قريشا . فلما احتبس عنهم قالوا : ما نرى عتبة إلا قد صبأ . فانطلقوا إليه فقال : واللّه لقد كلمته فأجابني بشيء ، واللّه ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر ولما بلغ
صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ
ناشدته بالرحم أن يكف . ولقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب . فإن قيل : كيف يصح هذا الإنذار وقد أخبر اللّه سبحانه في قوله
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
[ الأنفال : 33 ] وإن هذه الأمة آمنون من العذاب ؟ قلنا : الأنفال مدينة وهذه مكية . قوله
إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
قيل : الضميران عائدان إلى الرسل أي جاءهم رسل بعد الرسل . وقيل : من بين أيديهم أي حذروهم الدنيا
وَمِنْ خَلْفِهِمْ
الآخرة . وقيل : من بين أيديهم الذين عاينوهم ، ومن خلفهم الذين وصل إليهم خبرهم وكتبهم . وحقيقة بين يديه أن يستعمل للشيء الحاضر ، ومجازه أن يستعمل للشيء الماضي بزمان قريب . وقال بعض المحققين : معناه أتاهم الرسل من كل جهة وأعملوا في إرشادهم كل حيلة
أَلَّا تَعْبُدُوا
ويجوز أن تكون « أن » مفسرة أو مخففة وضمير الشأن مقدر . والفاء في قوله
فَإِنَّا
للجزاء كأنه قيل : فإذا أنتم بشر ولستم بملائكة فانا لا نؤمن بكم . وقولهم
رَبُّنا
وكذا بما أرسلتم أي على زعمكم ، أو أرادوا التهكم . ثم فصل حال كل فريق قائلا
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وهذا إخلال بالشفقة على الخلق
وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً
لأن الفاعل والعلة أقوى من القابل والمعلول ، والقوة في الإنسان نتيجة صحة البنية والاعتدال وحقيقتها زيادة القدرة فلذلك جاز أن يقال : اللّه أقوى منهم كما صح أن يقال : اللّه أقدر ، اللّه أكبر . وإن كان لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي . وقوله
وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ
معطوف على قوله
فَاسْتَكْبَرُوا
وقالوا : إن التوبيخ المذكور وقع اعتراضا في البين . ثم أخبر عن إهلاكهم والصرصر الريح الباردة الشديدة