أنها نزلت فيهم ولكن لم يكن للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب ، ولم يقطعوا إليها مسافة كثيرة ، وإنما كانوا على ميلين من المدينة فمشوا على أرجلهم ولم يركب إلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان راكب جمل ، فلما كانت المعاملة قليلة ولم يكن خيل ولا ركاب أجراه اللّه مجرى ما لم يكن قتال ثمة . ثم
روي أنه قسمها بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهو أبو دجانة وسهل بن حنيف والحرث بن أبرهة
قال الواحدي : كان الفيء مقسوما في زمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خمسة أسهم : أربعة منها لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاصة وكذا خمس الباقي ، والأسهم الأربعة من هذا الباقي لذي القربى ولد بني هاشم والمطلب ، واليتامى والمساكين وابن السبيل . وأما بعد الرسول فللشافعي فيه قولان :
أحدهما أنه للمجاهدين المترصدين للقتال في الثغور لأنهم قاموا مقام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رباط الثغور . والثاني أنه يصرف إلى مصالح المسلمين من سدّ الثغور وحفر الأنهار وبناء القناطر الأهم فالأهم . هذا في الأربعة الأخماس التي كانت له ، وأما السهم الذي كان له من خمس الفيء فإنه لمصالح المسلمين بلا خلاف وقد مر سائر ما يتعلق بقسمة الغنائم في سورة الأنفال . ثم بين الغرض من قسمة الفيء على الوجه المذكور فقال
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً
قال المبرد : هي اسم للشيء الذي يتداوله الناس بينهم يكون لهذا مرة ولهذا مرة كالغرفة اسم لما يغرف . والدولة بالفتح انتقال حال سارة إلى قوم عن قوم . قال جار اللّه : هي بالضم ما يدول للانسان أي يدور من الجد يقال دالت له الدولة . فعلى قول المبرد معناه كيلا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه فلا يصيب الفقراء ، وعلى قول جار اللّه : كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يعطى الفقراء جدا بين الأغنياء يتكاثرون به ، أو لكيلا يكون الفيء دولة جاهلية كان الرؤساء منهم يستأثرون بالغنائم لأنهم أهل الرئاسة والجد والغلبة وكانوا يقولون من عز بر ومنه قول الحسن « اتخذوا عباد اللّه خولا ومال اللّه دولا » يريد من غلب منهم أخذه واستأثر به . ومن قرأ على « كان » التامة فالمعنى كيلا يقع شيء متعاورا بينهم غير مخرج إلى الفقراء ، أو كيلا تقع دولة جاهلية أي ينقطع أثرها . قوله
وَما آتاكُمُ
الآية .
قيل : يختص بأنه يقسم الغنائم وأن على المؤمنين أن يرضوا بما يعطيهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم منها ، والأولى عند المحققين العموم . قوله
لِلْفُقَراءِ
بدل من قوله
وَلِذِي الْقُرْبى
إلى آخر الأصناف الأربعة . ولا يجوز أيضا أن يكون ابتداء البدل من قوله
فَلِلَّهِ
لأنه يخل بتعظيم اللّه على ظاهر اللفظ وإن كان المعنى للرسول صلى اللّه عليه وسلم . ولا يجوز أيضا أن يكون الابتداء من قولهم
وَلِلرَّسُولِ
لأنه تعالى أخرجه عن الفقراء بقوله
وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
ولترفع منصبه عن التسمية بالفقير . ولئن صح أنه صلى اللّه عليه وسلم
قال « الفقر فخري »
فذاك معنى آخر وهو غنى