بعد الشيخوخة » أي معها . وثانيها بئس الذكر أن يذكروا الرجل بالفسق أو باليهودية بعد إيمانه ، وكانوا يقولون لمن أسلم من اليهود يا يهودي يا فاسق فنهوا عنه . وثالثها أن يجعل الفاسق غير مؤمن كما يقال للمتحوّل عن التجارة إلى الفلاحة « بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة » فمعنى بعد الإيمان بدلا عن الإيمان
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ
عما نهي عنه
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
لأن الإصرار على المنهي كفر إذ جعل المنهي . كالمأمور فوضع الشيء في غير موضعه قوله
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ
فيه تأديب آخر . ومعنى اجتنبوا كونوا منه في جانب . وإنما قال
كَثِيراً
ولم يقل الظن مطلقا لأن منه ما هو واجب كحسن الظن باللّه وبالمؤمنين كما
جاء في الحديث القدسي « أنا عند ظن عبدي بي » « 1 »
قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللّه » « 2 »
وقال « إن حسن الظن من الإيمان »
ومنه ما هو محظور وهو سوء الظن باللّه وبأهل الصلاح .
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء » .
وهو الذي أمر في الآية باجتنابه . ومنه ما هو مندوب إليه وهو إذا كان المظنون به ظاهر الفسق وإليه الإشارة
بقوله صلى اللّه عليه وسلم « من الحزم سوء الظن »
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « احترسوا من الناس بسوء الظن »
ومنه المباح كالظن في المسائل الاجتهادية . قال أهل المعاني : إنما نكر
كَثِيراً
ليفيد معنى البعضية المصرح بها في قوله
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
ولو عرّف لأوهم أن المنهي عنه هو الظن الموصوف بالكثرة والذي يتصف بالقلة مرخص فيه . والهمزة في الإثم عوض عن الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه .
تأديب آخر
وَلا تَجَسَّسُوا
وقد يخص الذي بالحاء المهملة بتطلب الخبر والبحث عنه كقوله
فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ
[ يوسف : 87 ] فبالجيم تفعل من الجس ، وبالحاء من الحس . قال مجاهد : معناه خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره اللّه .
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في خطبته « يا معشر من آمن بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع عورات المسلمين تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ولو كان في جوف بيته » « 3 »
وهذا الأدب كالسبب لما قبله . فلما نهى عن ذلك نهى عن سببه أيضا . تأديب آخر
وَلا يَغْتَبْ
يقال غابه واغتابه بمعنى ، والاسم الغيبة بالكسر وهي ذكر العيب بظهر الغيب ،
وسئل
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب 15 ، 35 مسلم في كتاب التوبة حديث 1 الترمذي في كتاب الزهد باب 51 ابن ماجة في كتاب الأدب باب 58 الدارمي في كتاب الرقاق باب 22 أحمد في مسنده ( 2 / 251 ، 315 )
( 2 ) رواه مسلم في كتاب الجنة حديث 81 - 82 أبو داود في كتاب الجنائز باب 13 ابن ماجة في كتاب الزهد باب 14 أحمد في مسنده ( 3 / 293 ، 315 )
( 3 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 421 ، 424 )