تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر . ولنرجع إلى الآية . قوله
وَالْأَرْضُ
قالوا : المراد بها الأرضون لوجهين : أحدهما قوله
جَمِيعاً
فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله
كُلُّ الطَّعامِ *
[ آل عمران : 93 ] وقوله
وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ
[ ق : 10 ] والثاني قوله
وَالسَّماواتُ
ولقائل أن يقول : كل ما هو ذو أجزاء حسا أو حكما فإنه يصح تأكيده بالجميع . وعطف السماوات على الأرض في القرآن كثير . نعم قيل : إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد . والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعا مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته . وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
[ إبراهيم : 48 ]
وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
كقوله
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ
[ الأنبياء : 104 ] وقيل : معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك . وقيل : معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه تعالى حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة . وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه ، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسماوات وتبديلها . وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة ، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله
سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ
الظاهر أن نفخ الصور مرتان ، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في « النمل » ، والثانية للموت وهو معنى الصعق ، والثالثة للإعادة . والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين ، وقد مر في « النمل » تفسير باقي الآية . قال جار اللّه : تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى
وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان . ومعنى
يَنْظُرُونَ
يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجاه خطب ، أو ينظرون ما ذا يفعل بهم . ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيرا . ثم وصف أرض القيامة بقوله
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها
الظاهر أن هذا نور تجليه سبحانه . وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ الآية : 35 ] وفي غيره من المواضع . وقال علماء البيان : افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم . ويقال للملك العادل : أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك ، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره . وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق اللّه في ذلك اليوم للأرض نورا مخصوصا . وقيل : أراد أرض الجنة . ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله
وَوُضِعَ الْكِتابُ
إلى آخره . وكل