تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 532

مساهمون:

ص٥٣٢
وقوله
فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
بتقديم الجار للدلالة على أن الحب هو معظم قوت الإنسان وبه قوام معاشه عادة ، فنفس الأرض آية فإنها مهدهم الذي فيه تحريكهم واستكانهم والأمر الضروري الذي عنده وجودهم وإمكانهم . وسواء كانت ميتة أو لم تكن فهي مكان لهم ، ثم إحياؤها مخضرة نعمة ثانية فإنها أحسن وأنزه ، ثم إخراج الحب منها نعمة ثالثة فإن قوتهم إذا كان في مكانهم كأن أجمع للقوّة والفراغ . ثم جعل الجنات فيها نعمة رابعة موجبة للتفكه وسعة العيش ، ثم تفجير العيون فيها نعمة خامسة لأن ماء السماء لا يحصل الوثوق بنزوله في كل حين فذلك كالشئ المدخر القريب التناول . والضمير في قوله
مِنْ ثَمَرِهِ
يعود إلى اللّه ، وفائدة الالتفات أن الثمار بعد وجود الأشجار وجريان الأنهار لا توجد إلا بتخليق الملك الجبار ، ويحتمل أن يعود إلى المذكور وهو الجنات أو إلى التحصيل وترك ذكر الأعناب لأن حكمه حكم النخيل . وقيل : إلى التفجير المدلول عليه بسياق الكلام أي ليأكلوا من فوائد التفجير وهو أعم من الثمار ، ويشمل جميع ما ذكره في قوله
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
إلى قوله
وَفاكِهَةً وَأَبًّا
[ عبس : 25 - 31 ] وقوله
وَما عَمِلَتْ
من قرأ بغير هاء الضمير فما موصولة أو مصدرية أي ليأكلوا من ثمر اللّه ومن ثمر ما عملته أو من ثمر عمل أيديهم ، أو نافية فيكون إشارة إلى أن الثمر خلق اللّه ولم تعمله أيدي الناس ولا يقدرون عليه ، ومن قرأ مع الضمير فما موصولة والضمير لها أو نافية والضمير للتفجير أو المذكور . ومعنى عمل الأيدي ما يتكابده الناس من الحرث والسقي وغير ذلك . هذا إذا جعلت « ما » موصولة ، فإن كانت نافية فالمراد الإيجاد والخلق . وقيل : عمل الأيدي التجارة . وقيل : الطبخ ونحوه . ثم نزه نفسه بقوله
سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ
أي الأصناف والمراد بقوله
وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ
أزواج لم يطلع اللّه الإنسان عليها بطريق من طرق المعرفة
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[ المدثر : 31 ]
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
[ السجدة : 17 ] قالت الأشاعرة : فيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة للّه لأن أفعالهم أعراض وهي داخلة تحت الأجناس . وقوله
مِمَّا تُنْبِتُ
لا يخرجه عن العموم لأن البيان متعدّد نظيره قول القائل : أعطيته كل شيء من الثياب والدواب والعبيد . فإنه يفهم أن تعديد الأصناف لتأكيد العموم يؤيده قوله في الزخرف
الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها
[ الآية : 36 ] من غير تقييد . وحين فرغ من الاستدلال بالمكان شرع في الاستدلال بالزمان . ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه . ومعنى سلخ النهار من الليل تميزه منه . قال جار اللّه : أصله من سلخ الجلد الشاة إذا ازاله عنها فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل وموضع إلقاء ظله . ومعنى
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 532 | حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج ) / زكريا عميرات