تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . ويجوز أن ينعطف على قوله
وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما
كقولك : ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه . قلت : فعلى هذا تكون الفاء للسببية ، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه ؟ وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا ؟
فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ
للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله . ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريرا للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل : فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك : فعلت كذا وكذا ، فإذا فعلت ذلك فتربص . وبعد تقرير الأصول الثلاثة : التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ
أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله
أَنْ تَقُومُوا
على أنه عطف بيان لها . والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيّ متفرقين إلى أوطانهم . وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد . فقوله
مَثْنى وَفُرادى
إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال : أن تقوموا للّه مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر اللّه ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر اللّه . وقوله
ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا
يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعد ما بان وظهر ، ثم تتفكروا فيما أقول بعده ، وهو الرسالة المشار إليها بقوله
ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
والحشر المشار إليه بقوله
بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
قيل : وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال : ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد . فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد ، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد . وعند جار اللّه : الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم والمعنى : إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه اللّه خالصا متفرقين اثنين اثنين وواحدا واحدا ، فإن ما فوق الاثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الاثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى ، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفة حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان : مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان ، وعاقل اجتباه اللّه بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان . لكن محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالاتفاق أرجح الناس عقلا وأصدقهم قولا وأوفرهم حياء وأمانة ، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها . وقوله
ما بِصاحِبِكُمْ
إما أن يكون كلاما مستأنفا فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والمراد : ثم تتفكروا