تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
والشم والذوق فلا حكم ظاهرا لها في باب التمييز بين الأشخاص الإنسانية . وحيث ذكر بعض العرضيات اللازمة أراد أن يذكر الأعراض المفارقة بعضها فقال
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ
قال جار اللّه : هذا من باب اللف والنشر وتقدير الكلام . ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار ليكون موافقا لما جاء في مواضع أخر كقوله
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً
[ النبأ : 10 ، 11 ] وقدم المنام على الابتغاء لأن الاستراحة مطلوبة لذاتها والطلب لا يكون إلا لحاجة قال : وإنما فصل بين القرينتين الأوليين بالقرينتين الأخريين لأنهما زمانان ، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على الاتحاد يعني كأنه لم يعطف النهار على الليل والابتغاء على المنام . وجوز أن يراد منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار ، فان الإنسان كثيرا ما ينام بالنهار ويكسب بالليل . وفي اقتران الفضل بالابتغاء إشارة إلى أن العبد ينبغي أن لا يرى الرزق من نفسه وبحذقه بل يرى كل ذلك من فضل ربه . ثم أشار إلى عوارض الآفاق فقال
وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ
فأضمر « أن » وأسكن الياء بعد حذفها وإنزال الفعل منزلة المصدر كما في المثل السائر « تسمع بالمعيدي خير من أن تراه » قيل : لما كان البرق من الأمور التي تتجدد زمانا دون زمان ذكره بلفظ المستقبل ولم يذكر معه « أن » وقيل : ومن آياته كلام كاف كما تقول : منها كذا ومنها كذا . وتسكت تريد بذلك الكثرة : وقيل : أراد ويريكم من آياته البرق . وانتصاب
خَوْفاً وَطَمَعاً
كما مر في « الرعد » ثم ذكر بعض لوازم الآفاق قائلا
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ
فقيام السماوات والأرض استمساكهما بغير عمد ، ومن نسب ذلك إلى الطبيعة فلا بد أن يستند الطبع إلى واجب لذاته وأمره أن يقول لهما كونا كذلك نظيره قوله
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ
إلى قوله
مِنْ بَعْدِهِ
[ فاطر : 41 ] واعلم أن الأمر عند المعتزلة موافق للإرادة ، وعند الأشاعرة ليس كذلك . ولكن النزاع في الأمر الذي هو للتكليف لا الذي للتكوين ، فإن قوله
كُنْ فَيَكُونُ
[ يس : 82 ] موافق للإرادة بالاتفاق . قال جار اللّه : قوله
إِذا دَعاكُمْ
بمنزلة قوله
يُرِيكُمُ
في إيقاع الجملة موقع المفرد على المعنى كأنه قال : ومن آياته قيام السماوات والأرض ، ثم خروج الموتى من القبور إذا دعاكم مرة واحدة يا أهل القبور اخرجوا والمراد سرعة الخروج من غير توقف وإلا فلا أمر ظاهرا . أو أراد نداء الملك والأرض مكان المدعو على التقديرين لا الداعي إذ لامكان للّه مطلقا ولا للملك في جوف الأرض . نعم ، لو كان المراد أن الملك يدعوهم وهو على وجه الأرض جاز . ومعنى « ثم » عظم ما يكون من ذلك الأمر وتهويل لتلك الحالة ، وإذا الأولى للشرط ، والثانية للمفاجأة نائبة مناب الفاء . واعلم أنه تعالى ذكر في كل باب أمرين : أما من الأنفس فخلق البشر ثم خلقهم زوجين ،