للمنافقين . اعتبر أمر القلب هاهنا وهو في المؤمن التصديق ، وفي المنافق النفاق ، واعتبر في أول السورة أمر اللسان وهو في الكافر الكذب لأنه يقول : اللّه غير موجود ، أو اللّه أكثر من واحد . وفي المؤمن الصدق لأنه يقول : اللّه واحد . وحين بين أحوال الفرق الثلاثة وذكر أن الكافر يدعو من يقول آمنت إلى الكفر بالفتنة ، وبين أن عذاب اللّه فوقها وكان للكافر أن يقول للمؤمن لم تصبر في الذل على الإيذاء ولم لا تدفع الذل والعذاب عن نفسك بموافقتنا ، وكان جواب المؤمن أن يقول خوفا من عذاب اللّه خطيئة مذهبكم فقالوا : لا خطيئة فيه ، وإن كان فيه خطيئة فعلينا ، أشار إلى جميع ذلك قوله
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ
أرادوا وليجتمع هذان الأمران في الحصول أن تتبعوا طريقتنا وأن نحمل خطاياكم ، نظيره « ليكن منك العطاء وليكن مني الدعاء » وليس هو في الحقيقة أمر طلب وإيجاب ولكنه حكاية قول صناديد قريش . كانوا يقولون لمن آمن منهم : لا نبعث نحن ولا أنتم فإن عسى كان جزاء ومعاد فإنا نتحمل عنكم الإثم . وترى نظيره في الإسلام يشجع أحدهم أخاه على ارتكاب بعض المآثم فيقول : افعل هذا وإثمه عليّ ، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان . ثم أخبر اللّه تعالى عنهم بأنهم لا يحملون شيئا من خطاياهم ، ولا ريب أن هذا مخالف لما زعموا من أنهم يحملون أوزارهم فلهذا حكم اللّه عليهم بأنهم كاذبون . ويجوز أن يكونوا كاذبين لأنهم وعدوا وفي قلوبهم نية الخلف . ولا حاجة في توجيه تسميتهم كاذبين إلى التشبيه الذي ذكره في الكشاف . أما الجمع بين قوله
وَما هُمْ بِحامِلِينَ
وبين قوله
وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ
فهو أن النفي راجع إلى الحمل الذي يخفف عن صاحبه بسببه ، والإثبات يرجع إلى أنهم يحملون وزر الإضلال ووزر الضلال مع أن أتباعهم حاملون وزر الضلال كما
قال عليه الصلاة والسلام « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء » « 1 »
قال
وَلَيُسْئَلُنَّ
سؤال تقريع
يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ
من أنه لا حشر ، وعلى تقدير وجوده يحملون خطايا التابعين . ثم أجمل قصة نوح ومن بعده تصديقا لقوله في أول السورة
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وفيه تثبيت للنبي عليه الصلاة والسلام كأنه قيل له : إن نوحا لبث ألف سنة تقريبا يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل ، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك ، وفيه تحذير لكفار قريش فإن أولئك الكفار ما نجوا من العذاب مع تلك الأعمار الطوال ، فهؤلاء كيف يسلمون أم كيف يغترون ؟
هامش
( 1 ) رواه مسلم في كتاب العلم حديث 15 . النسائي في كتاب الزكاة باب 64 . أحمد في مسنده ( 4 / 357 ، 359 ) .