تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
الكبار إذا تحركت حركة سريعة على نهج واحد في السمت والكيفية ظن الناظر أنها واقفة مع أنها تمر مرا حثيثا ، فأخبر اللّه سبحانه أن حال الجبال يوم القيامة كذلك تجمع فتسير كما تسير الريح السحاب ، فإذا نظر الناظر حسبها جامدة أي واقفة في مكان واحد .
وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ
قال جار اللّه
صُنْعَ اللَّهِ
من المصادر المؤكدة كقوله « وعد اللّه » إلا أن مؤكده محذوف وهو الناصب ل
يَوْمَ يُنْفَخُ
والمعنى يوم ينفخ في الصور فكان كيت وكيت ، أثاب اللّه المحسنين وعاقب المجرمين صنع اللّه ، فجعل الإثابة والمعاقبة من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على وجه الحكمة والصواب . قلت : لا يبعد أن يكون الناصب ل
يَوْمَ يُنْفَخُ
هو « اذكر » مقدرا ، ويكون
صُنْعَ اللَّهِ
مصدرا مؤكدا لنفسه أي صنع تسيير الجبال ومرها صنع اللّه . قال القاضي عبد الجبار : في قوله
أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
دلالة على أن القبائح ليست من خلقه وإلا وجب وصفها بأنها متقنة ولكن الإجماع مانع منه . وأجيب بأن الآية مخصوصة بغير الأعراض فإن الأعراض لا يمكن وصفها بالإتقان وهو الإحكام لأنه من أوصاف المركبات . قلت : ولو سلم وصف الأعراض بالإتقان فوصف كل الأعراض به ممنوع فما من عام إلا وقد خص ، ولو سلم فالإجماع المذكور لعله ممنوع يؤيده قوله
إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ
وإذا كان خبيرا بكل أفعال العباد على كل نحو يصدر عنهم وخلاف معلومه يمتنع أن يقع فقد صحت معارضة الأشعري ، وعلى مذهب الحكيم وقاعدته صدور الشر القليل من الحكيم لأجل الخير الكثير لا ينافي الإتقان واللّه أعلم . ثم فصل أعمال العباد وجزاءها بقوله
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها
إلى آخر الآيتين . وبيان الخيرية بالأضعاف وبأن العمل منقض والثواب دائم ، وبأن فعل السيد بينه وبين فعل العبد بون بعيد على أن الأكل والشرب إنما هو جزاء الأعمال البدنية ، وأما الأعمال القلبية من المعرفة والإخلاص فلا جزاء لها سوى الالتذاذ بلقاء اللّه والاستغراق في بحار الجمال والجلال جعلنا اللّه أهلا لذلك . وقيل : المراد فله خير حاصل منها . وعن ابن عباس : أن الحسنة كلمة الشهادة التي هي أعلى درجات الإيمان . واعترض عليه بأنه يلزم منه أن لا يعاقب مسلم . وأجيب بأنه يكفي في الخيرية أن لا يكون عقابه مخلدا . ثم وعد المحسنين أمرا آخر وهو قوله
وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ
وآمن يعدّى بالجار وبنفسه . والتنوين في فزع في إحدى القراءتين إما للنوع وهو فزع نوع العقاب فإن فزع الهيبة والجلال يلحق كل مكلف وهو الذي أثبته في قوله
فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
وإما للتعظيم أي من فزع شديد لا يكتنهه الواصف وهو خوف النار آمنون . وأما حال العصاة فإن تكب في النار فعبر عن الجملة بالوجه لأنه أشرف أو لأنهم يلقون في الجحيم منكوسين . وقوله
هَلْ