تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
قلال هجر وكانت القلة تسع قربتين وشيئا . وإذا كانت هذه الرواية معتبرة فقط لم يكن في متن الحديث اضطراب ، وحمل الخبث على الشرعي أولى لأن المسألة شرعية وتفسير عدم حمل الخبث بالتأثر تعسف لأنه صح في بعض الروايات « إذا كان الماء قلتين لم ينجس » « 1 » ولأنه لا يبقى لذكر القلتين حينئذ فائدة لأن ما دون القلتين أيضا بتلك المثابة ، وزيف بأنه بعد التصحيح يوجب تخصيص عموم الكتاب والسنة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بمثل هذا الخبر المجمل . حجة من حكم بنجاسة الماء الذي خالطه نجاسة كيف كانت قوله تعالى :
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
[ الأعراف : 157 ] وقوله
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ
[ النحل : 115 ] وقال في الخمر
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ المائدة : 90 ] حرم هذه الأشياء مطلقا ولم يفرق بين حال انفرادها وحال اختلاطها بالماء ، فوجب تحريم استعمال كل ماء تيقنا فيه جزءا من النجاسة . وأيضا الدلائل التي ذكرتموها مبيحة ودلائلنا حاظرة والحاظر غالب على المبيح بدليل أن الجارية المشتركة لا يحل لواحد منهما وطؤها وأيضا قال صلى اللّه عليه وسلم « لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من جنابة » « 2 » أطلق من غير فرق بين القليل والكثير . أجاب مالك بأنه لا نزاع في تحريم استعمال النجاسات ، لكن الكلام في أنه متى ما لم يتغير فليس للنجاسة أثر لأنها انقلبت عن صفتها فكأنها معدومة والنهي عن البول في الماء لتنفر الطبع أو للتنزيه لا للتحريم . واعلم أنه سبحانه بين في سورة الأنفال أن من غاية إنزال الماء من السماء تطهير المكلفين به حين قال :
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
[ الأنفال : 11 ] ففي وصفه هاهنا بكونه طهورا إشارة إلى ذلك . ثم رتب على الإنزال غايتين أخريين . أولاهما تتعلق بالنبات ، والثانية بالحيوان الأعجم فالناطق . وفي هذا الترتيب تنبيه على أن الكائنات تبتدئ في الرجوع من الأخس إلى الأشرف ، وفيه أن الغرض من الكل هو نوع الإنسان مع أن حياة الأناسي بحياة أرضهم وأنعامهم . قال
مَيْتاً
مع قوله
بَلْدَةً
بالتأنيث لأن « فيعلا » غير جار على الفعل فكأنه اسم جامد وصف به ، أو بتأويل البلد والمكان . والأناسيّ جمع أنسي أو جمع إنسان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء . و « فعيل » قد يستوي فيه الواحد
هامش
( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الوضوء باب 68 . مسلم في كتاب الطهارة حديث 95 ، 96 . الترمذي في كتاب الطهارة باب 51 . النسائي في كتاب الطهارة باب 45 . الدارمي في كتاب الوضوء باب 45 . أحمد في مسنده ( 2 / 259 ، 265 ) .