المرتع الهنيّ والمشرب الرويّ ، قلت : ويحسن أيضا أن يذكر في وجه التفضيل أن جهل الأنعام بسيط غير مضر وجهل هؤلاء مركب مضر . ومنهم من قال : إن الأنعام تسبح للّه تعالى بخلاف الكفار .
ثم ذكر طرفا من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الأنعام فأولها الاستدلال من أحوال الظل والرؤية إما بمعنى البصر فالمراد : ألم تر إلى صنع ربك أو ألم تر إلى الظل كيف مده ربك . وإما بمعنى العلم وهو ظاهر وذلك أن الظل متغير ولكل متغير موجد وصانع . والخطاب لكل من له أهلية النظر والاستدلال . وللكلام في تفسير الآية مجال إلا أن ملخص الأقوال فيه اثنان : الأول أن الظل أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة كالكيفيات الحاصلة داخل السقوف الكاملة وأفنية الجدران وهو أعدل الأحوال ، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع وينفر عنها الحس والضوء الكامل لقوّته يبهر الحس البصري ويؤذي بالتسخين ، ولذلك وصف الجنة به في قوله :
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ
[ الواقعة :
30 ] ثم إن الناظر في الظل إلى الجسم الملون كأنه لا يشاهد شيئا سوى الجسم واللون ، فإذا طلعت الشمس ووقع ضوؤها على الجسم زال ظله فيظهر للعقول أنه كيفية زائدة على ما شاهده أوّلا . فمعنى الآية : ألم تر إلى عجيب صنع ربك
كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ
أي جعله ممتدا منبسطا على الأجسام .
وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
لاصقا بكل مظل .
ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ
على وجوده
دَلِيلًا
فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودا ، لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها :
ثُمَّ قَبَضْناهُ
أي أزلنا الظل لا دفعة بل يسيرا فإنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الإظلال في جانب المغرب شيئا بعد شيء ، وفي القبض على هذا الوجه منافع جمة . الثاني أنه سبحانه لما خلق السماء والأرض ألقت السماء ظلها على الأرض ممدودا منبسطا ، ولو شاء لجعله ساكنا مستقرا على تلك الحالة ، ثم خلق الشمس وجعلها دليلا على ذلك الظل ، لأن الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من حيث إنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص ، ثم لقبض الظل معنيان : أحدهما : انتهاء الإظلال إلى غاية ما من النقصان بالتدريج ، وثانيهما قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام النيرة . وقوله
إِلَيْنا
يؤكد هذا المعنى الثاني فيكون قوله
يَسِيراً
كما قال
ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ
[ ق : 44 ] الاستدلال الثاني من أحوال الليل والنهار شبه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر ، والسبات الراحة قاله أبو مسلم . وذلك أن النوم سبب الراحة ومنه يوم السبت لما جرت به العادة من الاستراحة فيه عند طائفة ، وعلى هذا فالنشور بمعنى الانتشار والحركة . قال جار اللّه : السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة ، وعلى هذا