تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
شيء . وما الفرق بين التجارة والبيع ؟ قيل : الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء ، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون ، فالبيع أدخل في الإلهاء . وقيل : أراد بالتجارة الشراء ، إطلاقا لاسم الجنس على النوع . وقال الفراء : التجارة لأهل الجلب يقال : تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده . وذكر اللّه دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل : هو الصلاة . ومن هنا قال ابن عباس : أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها ، وبإيتاء الزكاة طاعة اللّه والإخلاص له . والتاء في
فَأَقامَهُ
عوض من العين الساقطة للإعلال ، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت . ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة . وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع ، وتقلب الأبصار شخوصها ، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها ، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة . وقال الضحاك : إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والأبصار تصير زرقا . وقال الجبائي : يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما أنضج بالنار ، ومرة بهيئة ما أحرق ، وقيل : إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك ، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن أي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل . قوله
لِيَجْزِيَهُمُ
متعلق بما قبله لفظا أو معنى أي يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم اللّه أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر . وقيل : أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها . قال مقاتل : إنما ذكر الأحسن تنبيها على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي : أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن اللّه تعالى يجزيهم بأحسن الأعمال . وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة . ومعنى
وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
كقوله
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ
[ يونس : 26 ] وقوله
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
قد مر تفسيره في « البقرة » . وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكا بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم ، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات ، وضرب لكل من حاليه مثلا ، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ
قال الأزهري : هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبها