الجنة والآخر في النار ويكون بكل مكلف من اشتغال نفسه ما يمنعه من الالتفات إلى أحوال نسبه . عن قتادة : لا شيء أبغض إلى الإنسان من أن يرى من يعرفه مخافة أن يثبت له عليه شيء . وأما الجمع بين قوله
وَلا يَتَساءَلُونَ
وبين قوله
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
[ المؤمنون : 10 ] فظاهر لأن هذا في صفة أهل الموقف وذاك في صفة أهل الجنة . ولو سلم أن كليهما في وصف أهل الموقف فلن نسلم اتحاد المواطن والأزمنة وغيرها من الاعتبارات التي يقع فيها التساؤل كحقوق النسب ونحوها .
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « ثلاثة مواطن تذهل فيها كل نفس : حين يرمي إلى كل إنسان كتابه ، وعند الموازين وعلى جسر جهنم »
وقد مر مثل آية الموازين في أول « الأعراف » فليرجع إلى هنالك . وقوله
فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ
بدل من
خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ
ولا محل له كالمبدل فإن الصلة لا محل لها أو خبر بعد خبر لأولئك أو خبر مبتدأ محذوف . ومعنى خسران أنفسهم امتناع انتفاعهم بها . وقال ابن عباس : خسروها بأن صارت منازلهم للمؤمنين . ومعنى
تَلْفَحُ
تسفع أي تضرب وتأكل لحومهم وجلودهم النار ، قاله ابن عباس . وعن الزجاج أن اللفح والنفح واحد إلا أن اللفح أشد تأثيرا والكلوح أن يتقلص الشفتان عن الأسنان كالرءوس المشوية . يروى أن عتبة الغلام مر في السوق برأس أخرج من التنور فغشي عليه ثلاثة أيام ولياليهن .
وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته .
وقال الجوهري : الكلوح تكشر في عبوس .
ثم بيّن سبحانه أنه يقال لهم حينئذ تقريعا وتوبيخا
أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ
قالت المعتزلة : لو كان فعل التكذيب بخلق اللّه تعالى لم يكن لهذا التقريع وجه وعورض بالعلم والداعي . وفسرت المعتزلة الشقاوة بسوء العاقبة التي علم اللّه أنهم يستحقونها لسوء أعمالهم . وتفسرها الأشاعرة بما كتب اللّه عليهم في الأزل من الكفر وسائر المعاصي أن يعلموها حتى يؤول حالهم إلى النار . ومعنى غلبة الشقاوة على هذا التفسير ظاهر ، وأما على تفسير المعتزلة فقد قال جار اللّه : معناه ملكتنا وأخذت منا . وقال الجبائي :
أراد طلبنا اللذات المحرمة وحرصنا على العمل القبيح ساقنا إلى هذه الشقاوة ، فأطلق اسم المسبب على السبب . وليس هذا باعتذار منهم لعلمهم بأن لا عذر لهم فيه ، ولكنه اعتراف بقيام حجة اللّه تعالى عليهم في سوء صنيعهم . وأجيب بأن طلب تلك اللذات لا بد أن ينتهي إلى داعية يخلقها اللّه فيه بدليل قوله
وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ
أي في علم اللّه وسابق تقديره .
وحمله المعتزلة على الاعتراف بأنهم اختاروا الضلال قالوا : ولو كان الكفر بخلق اللّه لكانوا بأن يجعلوا ذلك عذرا لهم أولى . وأجيب بأن فحوى الكلام يؤول إلى هذا كما قررنا . عن ابن