وجواهرهم ؟ فأجاب بأن كل كائن محيط به علمه ولا يجوز عليه الخطأ والنسيان كما يجوز عليك أيها العبد الذليل والبشر الضئيل . وقوله
عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي
مع قوله
فِي كِتابٍ
لا يتنافيان ، بل المراد أنه تعالى عالم بجميع المغيبات مطلع على الكليات والجزئيات من أحوال الموجودات والمعدومات ، ومع ذلك فإن جميع الأحوال ثابتة في اللوح المحفوظ ثم كان لقائل أن يقول : لعلها أثبتت في اللوح لاحتمال الخطأ والنسيان فتدارك ذلك بقوله
لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى
قال مجاهد : هما واحد المراد أنه لا يذهب عنه شيء ولا يخفى عليه . والأكثرون على الفرق فقال القفال : الأول إشارة إلى كونه عالما بالكل ، والثاني إشارة إلى بقاء ذلك العلم أي لا يضل عن معرفة الأشياء ، وما علم من ذلك لا ينساه ولا يتغير علمه ، يقال : ضللت الشيء إذا أخطأته في مكانه فلم تهتد له . وقال مقاتل : لا يخطئ ذلك الكتاب ربي ولا ينسى ما فيه . وقال الحسن : لا يخطئ وقت البعث ولا ينساه .
وقال أبو عمر : ولا يغيب عنه شيء ولا يغرب عنه شيء . وقال ابن جرير : لا يخطئ في التدبير فيعتقد غير الصواب صوابا وإذا عرفه لا ينساه والوجوه متقاربة . والتحقيق ما قاله القفال . وعن ابن عباس : لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه ولا يترك من وحده حتى يجازيه .
ولما ذكر الدليل العام المتناول لجميع المخلوقات السماويات والأرضيات من الإنسان وسائر الحيوانات وأنواع النباتات والجمادات ذكر الدلائل الخاصة فقال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً
أي كالمهد وهو ما يمهد للصبي . قال أبو عبيدة : الذي أختاره مهاد لأنه اسم لما يمهد والمهد مصدر . وقال غيره : المهد اسم والمهاد جمع . وقال المفضل : هما مصدران
وَسَلَكَ
أي حصل
لَكُمْ فِيها سُبُلًا
ووسطها بين الجبال والأودية والبراري . يقال : سلكت الشيء في الشيء سلكا بالفتح أي أدخلته فيه
فَأَخْرَجْنا بِهِ
أي بواسطة إنزال الماء . ومن المتكلمين الأقدمين من أنكر تأثير الوسائط رأسا و
أَزْواجاً
أي أصنافا فأسميت بذلك لأنها مزدوجة مقترن بعضها ببعض . و
شَتَّى
صفة للأزواج جمع شتيت كمريض ومرضى ، أو صفة للنبات لا مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع يعني أنها مختلفة النفع والطبع والطعم واللون والرائحة والشكل . ثم هاهنا إضمار والتقدير وقلنا أو قائلين
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ
وذلك أن بعضها يصلح للناس وبعضها يصلح للبهائم ، وإباحة الأكل تتضمن إباحة سائر وجوه الانتفاع كقوله :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ
[ البقرة : 188 ] ومن نعم اللّه تعالى أن أرزاق العباد إنما تتحصل بعمل الأنعام وقد جعل اللّه علفها مما يفضل عن حاجتهم ولا يقدرون على أكله . قال الجوهري : النهية بالضم واحدة النهى وهي العقول لأنها تنهى عن القبيح .
وجوز أبو علي الفارسي أن يكون مصدرا كالهدى وخص أرباب العقول بذلك لأنهم هم