تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
انقلب الجماد حيوانا والمظلم مستنيرا ومثله قوله
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
[ آل عمران : 97 ] وقيل : هما مع حل العقدة . وقيل : أراد اذهبا إني أمدكما بآياتي وأظهرها على أيديكما متى وقع الاحتياج إليها . وأما النهي فقوله
وَلا تَنِيا
بكسر النون مثل تعدا وقرئ
تَنِيا
بكسر حرف المضارعة أيضا للاتباع . والونى بفتحتين الضعف والفتور والكلال والإعياء ، والمعنى لا تنسياني بل اتخذا ذكري وسيلة في تحصيل المقاصد واعتقدا أن أمرا من الأمور لا يتمشى لأحد إلا بذكري فإن المداومة على ذكر اللّه توجب عدم الخوف من غيره . وأن يستحقر في نظره ما سواه لقوة نفسه واستنارة باطنه . وقيل : أراد بالذكر تبليغ الرسالة فإن الذكر يقع على كل العبادات فضلا عن أعظمها فائدة وأتمها عائدة . وقيل : اذكرني عند فرعون وقومه بأني لا أرضى بالكفر وأعاقب عليه وأثيب على الإيمان وأرتضيه ، وبالجملة كل ما يتعلق بالترهيب والترغيب . ما الفائدة في تكرير قوله
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ
؟ والجواب بعد التقرير والتأكيد أمرهما أن يشتغلا بأداء الرسالة معا لا أن ينفرد به موسى ، أو الأول أمر بالذهاب إلى كل بني إسرائيل والقبط ، والثاني مخصوص بفرعون الطاغي . ثم إنه خوطب كلاهما وموسى حاضر فقط لأنه أصل ، أو هو كقوله
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
[ البقرة : 72 ] والقاتل واحد منهم . ويحتمل أن هارون قد حضر وقتئذ فقد روى أن اللّه عزّ وجلّ أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى . وقيل : ألهم بذلك . وقيل : سمع بخبره فتلقاه . سؤال : لم أمرا بتليين القول للعدوّ المعاند ؟ جوابه لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتوا وعلوا . وقيل : لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة . وكيف ذلك القول اللين ؟ الأصح أنه نحو قوله تعالى
هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى
[ النازعات : 18 ، 19 ] لأن ظاهره الاستفهام والمشهورة وعرض ما فيه صلاح الدارين . وقيل : أراد عداه شبابا لا يهرم بعده ، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت ، وأن يبقى له لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته . حكى عمرو بن دينار قال : بلغني أن فرعون عمر أربعمائة وتسعا وستين سنة . فقال له موسى : إن أطعتني فلك مثل ما عمرت فإذا مت فلك الجنة . وقيل : أراد كنياه وهو من ذوي الكنى الثلاث : أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . ويحتمل أن يكون أمر بالقول اللين لأنه كان في موسى حدة وخشونة . بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا فعالج حدته باللين ليكون حليما في أداء الرسالة . ومعنى الترجي في
لَعَلَّهُ
يعود إلى موسى وأخيه أي اذهبا على رجائكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر سعيه فعساه يتذكر بأن يرجع من الإنكار إلى الحق رجوعا كليا