تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان — صفحة 538

مساهمون:

ص٥٣٨
على أنه طلب حل بعضها بحيث يفهم عنه فهما جيدا ولم يطلب الفصاحة الكاملة . وقال أهل التحقيق : وذلك لأن حل العقدة بالكلية نصيب محمد صلى اللّه عليه وسلم فكان أفصح العرب والعجم وقد قال تعالى
وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ الإسراء : 34 ] فلما كان ذلك حقا ليتيم أبي طالب لا جرم ما دار حوله . ومن مطالب موسى قوله
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ
قال أهل الاشتقاق : الوزير من الوزر بالكسر لأنه يتحمل عن الملك أوزاره ومئونة ، أو من الوزر بفتحتين وهو الملجأ لأن الملك يعتصم برأيه ويلجئ إليه أموره ، أو من الموازرة وهي المعاونة فيكون من الأزر والقوة ومنه قوله تعالى
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي
أي ظهري لأنه محل القوة . قال الجوهري : آزرت فلانا أي عاونته ، والعامة تقول : وازرته . وعلى هذا فيكون القياس أزيرا بالهمز على ما حكي عن الأصمعي ووجه القلب حمل « فعيل على « مفاعل » لاتحاد معنييهما في نحو « عشير » و « جليس » و « صديق » وغيرها . وحمله على أخوته من نحو الموازرة ويوازر والاستعانة بالوزير وبحسن رأيه دأب الملوك العقلاء وقد استحسنه نبينا صلى اللّه عليه وسلم فقال « إذا أراد اللّه بملك خيرا قيض له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن نوى خيرا أعانه عليه ، وإن أراد شرا كفه » « 1 » وكان أنوشروان يقول : لا يستغني أجود السيوف عن الصقل ، ولا أكرم الدواب عن السوط ، ولا أعلم الملوك عن الوزير . وكفى بمرتبة الوزارة منقبة وفخرا وشرفا وذكرا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم المؤيد بالمعجزات الباهرة ابتهل إلى اللّه سبحانه في مقام القرب والمكالمة يطلبه منه ، فيجب على من أوتي هذه الرتبة أن يؤدي إلى اللّه حقها ولا يغتر بالدنيا وما فيها ، ويزرع في أرض الوزارة ما لم يندم عليه وقت حصاده . وقيل : إن موسى خاف على نفسه العجز عن القيام بذلك الأمر العظيم والخطب الجسيم فطلب المعين . والأظهر أنه رأى أن التعاون على الدين والتظاهر عليه مع خلوص النية وصفاء الطوية أبعد عن التهمة وأعون على الغرض ، ولهذا حكى عن عيسى أنه قال
مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ
[ الصف : 14 ] وخوطب نبينا صلى اللّه عليه وسلم بقوله
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
[ الأنفال : 64 ] وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « إن لي في السماء وزيرين وفي الأرض وزيرين فاللذان في السماء جبرائيل وميكائيل واللذان في الأرض أبو بكر وعمر » « 2 » ثم إن موسى طلب أن يكون ذلك الوزير من أهله أي من أقاربه لتكون الثقة به أكثر وليكون الشرف في بيته أوفر وإنه كان واثقا بأخيه هارون فأراد أن
هامش
( 1 ) رواه أبو داود في كتاب الإمارة باب : 4 . ( 2 ) رواه الترمذي في كتاب المناقب باب : 16 .